بعد القرار الكارثي برفع أسعار المحروقات
فلنستعد.. للمعركة الاجتماعية المقبلة
انتهز النظام الحاكم ارتفاع أسعار الطاقة على خلفية تداعيات العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران لكي يذبح بدم بارد مستويات معيشة الملايين من العاملين بأجر، الذين استيقظوا صباح أمس، ليكتشفوا أنهم فقدوا جزءًا مهمًا من دخولهم، التي لا تكفي أصلا لاستكمال التزاماتهم الشهرية.
وإذا عرفنا أن غالبية العاملين بأجر يتقاضون رواتب تقل عن 7 آلاف جنيه شهريًا، ويواجهون تدهور مهم في قيمة الجنيه، إلى جانب ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن بنسبة 9% والخضروات بنسبة 3.8%، مع دخول شهر رمضان، ندرك حجم السطو الحكومي على جيوب الكادحين.
لم يضع النظام الذي قاد الاقتصاد إلى الهاوية وحولنا الى دولة مديونة وعاجزة ومسخرة فقط لخدمة كبار المليارديرات أدنى اعتبار لاقتراب موسم العيد، وقرر حرمان الطبقات الشعبية حتى من سرقة سويعات من الفرح يشترون خلالها من أسواق الملابس المستعملة ملابس العيد لأطفالهم.
قرار الحكومة الصادم برفع أسعار كل أنواع الوقود للمرة الثالثة خلال عام واحد، بنسب تتراوح بين 14 بالمئة و30 بالمئة، تضمن انحياز فاجر للأغنياء، فزادت أسعار الوقود التي يستخدمها الفقراء والطبقة المتوسطة (السولار والبنزين 80 بنسبة أكبر من أسعار وقود كبار الرأسماليين (بنزين 95) !!
النظام الذي يكذب كما يتنفس ادعى أن الزيادة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة في الحرب، بينما الحقيقة المرة أن الزيادة هي ثمرة انصياع الحكومة لتعليمات صندوق النقد الدولي، حيث التزم النظام بتطبيق شرطين الأول هو رفع سعر الوقود، والثاني هو الإسراع في عجلة الخصخصة.
لم يهتم قطار النظام السريع، في رحلته لالتهام حقوق الفقراء وحرمانهم من العلاج والمأوى والمأكل وحتى التنزه على كورنيش النيل، بالرد على تساؤلات منطقية ومشروعة بشأن قراره “الاستثنائي”.
ومن أبرزها أن الحكومة لا تشتري النفط يومًا بيوم حتى تقول إن تداعيات الحرب رفعت الأسعار، كما أن تأثير أي زيادة في السعر لا يظهر خلال أيام لأن شحنات البترول تكون بتعاقدات على وقت مستقبلي. والحكومة مقدرة ثمن برميل البترول في الميزانية بـ 75 دولار يعني أغلى من سعر السوق حينها 15 دولارا والحرب لن تستمر طويلًا وكان يمكن تحمل عبء تلك الزيادة.
وعلى سبيل المثال سعر البترول هبط أمس الثلاثاء بنسبة 11 بالمئة بعد الارتفاع الصاروخ الذي شهدته أسواق الطاقة، فهل ستنزل الحكومة سعر البنزين الجديد بنسبة 11 بالمئة؟
أكثر من هذا فالحكومة لديها عقود تحوط من تقلبات أسعار النفط مع كبرى البنوك الدولية مثل جولدمان ساكس، وسيتي بنك، وهذه المؤسسات هي التي تدفع اي زيادة عن توقعاتها، وهذه العقود توقع قبل إعداد الموازنة، أي قبل 1 يوليو الماضي.
الأسباب الحقيقية للأزمة
وبعيدًا عن بروباجندا أبواق السيسي الإعلامية عن الأسباب الخارجية للأزمة فالحقيقة أن جوهر سياسات التحرير الاقتصادي الرأسمالية التي تبنّتها وتتبنّاها الأنظمة الحاكمة في مصر -المدعومة من صندوق النقد الدولي- هو تعظيم أرباح أصحاب رؤوس الأموال والشركات الكبرى، على حساب دم وعرق وأجور ومعيشة الكادحين؛ أي تكثيف استغلالهم لمراكمة الأرباح ورأس المال والثروات.
فقد شهد كل من يعمل بأجر في القطاع الحكومي أو الخاص أو العام أو الأعمال العام تقليصًا كبيرًا في أجره الحقيقي بفعل التضخم -أي انخفض بقوة عدد وجودة السلع والخدمات التي يستطيع شراءها بأجره النقدي-، وتم تشريد قطاعًا كبيرًا منهم من خلال المعاش المبكر، في حين انخفض بقوة التشغيل في القطاعات التابعة للدولة، ليتراكم “جيش من البطالة” كل يوم والذي يتم استخدامه من قِبل الدولة وأصحاب رؤوس الأموال في الضغط على مستويات أجور المشتغلين وخفضها إلى مستويات غير مسبوقة؛ أقل من الحد الأدنى للأجر الذي وضعته السلطة نفسها! بل أقل من خط الفقر في عدد من أماكن العمل.
أما في القطاع الخاص الرسمي وغير الرسمي الذي يحوي النسبة الأكبر من المشتغلين (أكتر من 80% في 2024)، والذي تتركّز فيه نسبة المشتغلين مع مرور الزمن، فالوضع أكثر بؤسًا وقهرًا، ويزداد بؤسًا، حيث يواجه العمال والموظفون ظروف عمل غير قانونية بل غير آدمية، من حيث زيادة ساعات العمل وكثافة العمل، وتدني الأجور بنسبة كبيرة وتأجيل دفعها في مواعيدها المحددة، وغياب أدوات وسياسات السلامة في أماكن العمل، وغياب المظلات التأمينية المتمثلة في التأمين الصحي والتأمين الاجتماعي، وتجريدهم من التنظيم النقابي الذي يُعد أداتهم في الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم وتعظيمها.
ماذا في جعبة النظام؟
خلال السنوات العشر الماضية، ارتفعت نسبة الدين الخارجي لإجمالي الصادرات والدخل الأساسي بما يقرب 88٪ إلى 232٪. وعلى الرغم من الانخفاض عن لحظة الذروة في 2020 إلا أن الرقم ما زال مرتفعًا بشكل واضح. ويمكن التأكيد على ذلك من خلال النظر لرقم خدمة الديون السنوية كنسبة من الصادرات، والذي ارتفع من 12.6٪ في 2014 إلى ما يقرب من 49٪ في 2024.
ليست أزمة الديون المصرية مجرد أزمة إدارة مالية قصيرة الأجل، بل هي أزمة نموذج رأسمالي فشل في التراكم. فاقتصاد يعتمد على استثمار مرتفع دون قاعدة ادخار محلية قوية، ودون قطاع إنتاجي قادر على توليد إيرادات مستدامة، يظل أسيرًا لحلقة مفرغة: استثمار ممول بالدين، يعقبه ضغط على الموازنة، ثم حاجة لمزيد من الاقتراض.
وفي ضوء ذلك لا يسع النظام المأزوم سوى اتباع سياسات التقشف وتبني سياسة “الضحك على الدقون”، فقرر النظام أن يمنح الفقراء جزءًا مما سيستولى عليه من تخفيض دعم المحروقات في صورة مد تنفيذ منحة نقدية بقيمة 400 جنيه شهرين إضافيين، وهي المنحة التي سبق وأعلنت الحكومة صرفها خلال مارس وأبريل للأسر الأولى بالرعاية من حاملي البطاقات التموينية والمقيدين في منظومة تكافل وكرامة.
كما سيتم الإعلان الأسبوع المقبل عن رفع الحد الأدنى للأجور والمعاشات.
ورغم أن القرارات السابقة برفع الحد الأدنى تهرب من تطبيقها رجال الأعمال بل وقطاعات حكومية، فتح رئيس الوزراء الباب أمام رجال الأعمال ليتهربوا من تطبيقه، حيث أكد، أن عملية تطبيق الحد الأدنى للأجور فى القطاع الخاص ستتم بصورة تدريجية مع مراعاة الوضع الاقتصادي للقطاع الخاص وحماية العاملين فيه.
وأوضح مدبولى أن الحكومة “تتفاهم مع القطاع الخاص لضمان عدم الإضرار بقدرته على التشغيل أو أرباحه”، مما يعني أن الطبقة العاملة المصرية مقبلة على معركة كسر عظم لتطبيق القرارات الجديدة، حتى لا تتحول الى حبر على ورق!
ما العمل؟
وإذا عرفنا أن النضال الاجتماعي قد ارتفعت وتيرته العام الماضي بعد قرار مماثل برفع الحد الأدنى للأجور، فقد أقدمت قطاعات أوسع من الجماهير على كسر حاجز الخوف، في ظل تضاؤل مساحات التكيُّف مع ماكينة القهر التي تزداد وتيرتها، فلم تعد أمامهم بدائل سوى المقاومة والاحتجاج.
في هذا السياق قد أحصينا زيادة في عدد الاحتجاجات مقارنة بإحصائنا لها العام الماضي وتوسعها جغرافيا وشمولها قطاعات وفئات جديدة، حيث ارتفعت أعداد الاحتجاجات في عام 2025 مسجلة 222 احتجاجا بزيادة قدرها 52 احتجاجًا مقارنة بعام 2024، بنسبة زيادة 30% تقريبًا.
وقد يزيد من ثقة العاملين بأجر في جدوى النضال، خاصة بعد انتهاء العدوان على ايران ولبنان، المؤشرات الإيجابية التي تبشرنا بها الحكومة المصرية ليل نهار، على رأسها ارتفاع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي ليصل الى 5.3% خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026 وكذلك ارتفاع صافي الاحتياطيات من النقد الأجنبي إلى 52.7 مليار دولار بنهاية فبراير 2026 وإعلان صندوق النقد إتمام المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي بما يعنى توفير ما يقرب من 2.3 مليار دولار هذا فضلًا عن زيادة المتحصلات من تحويلات العاملين بالخارج التى وصلت الى اعلى مستوى لها بنحو 41.5 مليار دولار والسياحة والصادرات. وتحسن عجز حساب المعاملات الجارية ليسجل 3.2 مليار دولار مقابل 5.3 مليار خلال نفس الفترة من العام السابق كل هذا أدى الى تحسن كبير في التصنيف الائتماني لمصر من جانب العديد من المؤسسات الدولية وعلى رأسها «فيتش» و«ستاندرد اند بورز»
لكن هذا الصعود الاجتماعي لن يكون سهلًا ولا مستقيمًا، فسيمر بمنعطفات مهمة، فالقبضة الأمنية مرشحة للاستمرار في ضوء مساعي رأس النظام لتعديل الدستور ليضمن بقاءه في الحكم بعد انتهاء فترة رئاسته عام 2030.
الاشتباك اليوم، مع الحركة الاجتماعية، لا يعني انتظار انفجار جديد، ولا التعويل على لحظة استثنائية أخرى، بل يعني العمل داخل الواقع القائم، بتراكم بطيء وصبور: بناء شبكات تضامن، ومساحات تنظيم قاعدي، ومعرفة جماعية تربط بين الحرية والعدالة الاجتماعية، بين الاعتراض والخبز، بين السياسة والعمل.
ولنناضل مع القوى السياسية والاجتماعية لتحقيق مطالب مرحلية مُلحّة في أجر إنساني وظروف عمل آدمية، لتكن مطالبنا التي ندعو للالتفاف حولها وتبنيها هي:
– إلغاء قرار رفع أسعار المحروقات فورًا.
– ربط الأجور والمعاشات بالأسعار.
– دعم السلع الرئيسية وضبط الأسواق وعودة التسعيرة الجبرية.
– عودة أتوبيسات النقل العام لتوفير مواصلات بأسعار مدعمة.
– حبس رجال الاعمال المتهربين من تطبيق الحد الأدنى للأجور.
– تجميد قيمة إيجارات المساكن الجديدة لمدة عامين وإلغاء قانون الإيجارات القديمة.
– تحديد هامش الربح للتجار ومحاربة الاحتكارات.
– فرض ضرائب تصاعدية.
– رفع يد الأمن عن الانتخابات العمالية المقبلة المقررة في شهر مايو المقبل.
– إقرار قانون ديمقراطي للمحليات.
الاشتراكيون الثوريون
12 مارس 2026





