بين الزنازين وتعطل موقع الوزارة.. أطباء مصر يدفعون ثمن “حوكمة التكليف”
يقف اليوم خريجو الكليات الطبية والصحية في مصر أمام بابين كلاهما مغلق: الأول هو موقع التكليف لوزارة الصحة المعطل بحجة “أعطال فنية”، والثاني هو الزنازين التي ابتلعت زملاءهم. أزمة التكليف الحالية هي انعكاس لمنهجية دولة ترفع شعار “حوكمة التكليف” بينما تمارس الإفقار الممنهج لقطاع الصحة وتخنق أصوات العاملين فيه.
تحت يافطة “الاحتياج الفعلي”، قررت الحكومة في عام البدء بتطبيق نظام جديد للتكليف يفرغ القانون رقم 29 لسنة 1974 من مضمونه ابتداءً من عام 2025 بأثر رجعي. هذا التوجه الذي وصفه وزير الصحة بتطبيق قواعد الحوكمة على الجميع دون استثناء، ليس سوى تقليص للإنفاق العام على حساب استقرار المراكز القانونية لآلاف الخريجين الذين التحقوا بالدراسة بناءً على عقود اجتماعية ضمنية بالتعيين.
وبدلاً من استيعاب العجز الصارخ في المستشفيات الحكومية وتطوير قدراتها التدريبية، اختارت الدولة خصخصة الحلول ورمي الخريجين إلى المجهول دون ضمانات، ما دفع نقابات مثل أطباء الأسنان لرفض استيعاب 40% فقط من خريجي دفعة 2023.
إن إغلاق موقع التكليف، سواء كان خللاً تقنياً أم مماطلة متعمدة، يمثل رمزية مكثفة لحالة الشلل التي تفرضها السلطة على مستقبل الأطباء. فالنقابة العامة للأطباء تجد نفسها مضطرة للمطالبة بوقف إنشاء كليات طب جديدة وربط القبول بالقدرة الاستيعابية للمستشفيات، في إقرار واقعي بأن الدولة تنتج عمالة طبية لا تنوي تشغيلها بشكل لائق.
لم تكتفِ السلطة بتعطيل الحق في التكليف، بل استخدمت أجهزتها الأمنية لقمع أي محاولة للتنظيم النقابي أو الاحتجاج السلمي. في أواخر فبراير الماضي، تم توقيف أطباء الأسنان محمد أسامة ومصطفى عرابي، والصيدلي إيهاب سامح، إثر مناقشات مهنية واحتجاجات على سياسات التكليف الجديدة. ومؤخراً، قررت نيابة أمن الدولة العليا تجديد حبسهم للمرة السابعة لمدة 15 يوماً على ذمة القضية رقم 945 لسنة 2026، ليقضوا ما يقارب 80 يوماً في الحبس الاحتياطي.
هذا القمع ليس موجهاً ضد أفراد، بل هو رسالة ترهيب لطبقة كاملة من المهنيين الشباب. تحويل نقاش على مجموعات “واتساب” أو التعبير عن الرأي النقابي إلى قضية أمن دولة يؤكد أن النظام يعتبر مجرد المطالبة بالحق في العمل تهديداً وجودياً.
لا يمكن الفصل بين تقليص فرص العمل للأطباء وبين سياسات الخصخصة وتخفيض الإنفاق العام على الصحة التي تفرضها المؤسسات المالية. المعركة اليوم ليست مجرد المطالبة بتشغيل موقع إلكتروني أو توظيف دفعة بعينها، بل هي معركة للدفاع عن الحق في الصحة كخدمة عامة والحق في العمل للكوادر الطبية.
الحل لا يكمن في مناشدات لوزارة الصحة أو انتظار منح فوقية، بل في بناء لجان نقابية مستقلة داخل الكليات والمستشفيات، وتوحيد جهود خريجي كافة القطاعات الصحية (أطباء، صيادلة، علاج طبيعي، أسنان، تمريض، علوم صحية). إن الإفراج الفوري عن الأطباء المحبوسين، وإلغاء قرارات “التكليف حسب الاحتياج”، وضمان تعيين جميع الخريجين هي مطالب لا تقبل التجزئة، ولن تتحقق إلا بضغط منظم ومستمر يكسر حالة الخوف ويستعيد زمام المبادرة.
الاشتراكيون الثوريون
24 يونيو 2026





