بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رأس المال المُغَامِر والشركات الناشئة.. الأداة المعاصرة للرأسمالية الإمبريالية

مقدمة
رأس المال المُغَامِر (Venture Capital)[1]، والذي قد يُشار إليه أيضًا برأس المُخاطِر ورأس المال الجَرِيء، هو نوع من التمويل الذي يُوفِّره المستثمرون للشركات الناشئة التي يُعتَقَد أن لديها إمكانات نمو عالية. عادة ما تكون هذه الاستثمارات في مشروعات تُقدِّم خدمة أو منتجًا جديدًا لم يُثبت بعد. لا يقتصر الأمر فقط على التمويل، بل يشمل أيضًا الإرشاد والمشورة الإدارية والتوجيه. في مقابل الأمل في تحقيق عوائد مالية ضخمة، يتحمَّل المستثمرون في صناديق رأس المال المُغَامِر الاستثمار في شركات تُقدِّم منتجات أو خدمات جديدة تواجه عدم يقين كبير بالنسبة للطلب السوقي وقبول العملاء والقدرة على تحقيق النمو المستدام.

هذا يعني أن الاستثمار يُوجَّه بشكل أساسي إلى الشركات التي قد تُقدِّم ابتكارات تكنولوجية جديدة غير مُجرَّبة في بيئات السوق الحقيقية، وأنها قد تواجه تحديات تقنية أو إخفاقًا في الأداء (تُشير الدراسات إلى أن 90% من الشركات الناشئة تخفق[2]) أو قد تواجه تعقيدات القوانين واللوائح التنظيمية التي قد تؤثِّر سلبًا، خاصةً في القطاعات الحساسة مثل الرعاية الصحية أو الخدمات المالية.

يُشكِّل رأس المال المُغَامِر حجر الأساس في قصص نجاح العديد من الشركات العملاقة التي نعتمد عليها اليوم. في بداياتها، كانت هذه الشركات مجرد أفكار واعدة بحاجة إلى الدعم والتمويل لتحويل رؤاها إلى واقع ملموس. أبرز مثال على ذلك هو شركة أبل، التي بدأت في مرآب سيارات، بتمويلات من استثمارات من رأس المال المُغَامِر تطورت لتصبح واحدة من أكثر الشركات قيمة في العالم. وكذلك جوجل، التي انطلقت من فكرة لمحرك بحث فريد في جامعة ستانفورد، وتحولت إلى عملاق التكنولوجيا الذي لا غنى عنه في حياتنا اليومية. أمازون التي كانت في البداية مكتبة إلكترونية صغيرة وتحولت بدعم من المستثمرين الجريئين إلى أكبر منصة تجارة إلكترونية عالمية.

هذه الشركات وغيرها الكثير تُظهِر كيف يمكن للتمويل المُغَامِر أن يُؤسِّس لثورة في مجال الأعمال، ويُساعد الشركات الناشئة على تجاوز التحديات الأولية والنمو لتصبح مؤسسات ذات تأثير كبير في الاقتصاد العالمي. الشركات العملاقة الآن كانت يومًا ما شركات ناشئة صغيرة.

رأس المال المُغَامِر ورأس المال التقليدي
يُجسِّد رأس المال التقليدي سُبل الاستثمار الأكثر رسوخًا، التي تضرب بجذورها في البنية القائمة للاقتصادات الرأسمالية، وعادة ما يُخصَّص للكيانات التي لديها سجل أداء ثابت ونمط نمو يمكن التنبؤ به، يشمل ذلك الاستثمارات في الصناعات القائمة استمرارية الإنتاج واستخراج فائض القيمة من أسواق مُحدَّدة جيدًا.

في المقابل، يعمل رأس المال المُغَامِر كشكل من أشكال رأس المال، يتميز بطبيعته المضاربة ويُموِّل الشركات الناشئة التي تمتلك القدرة على النمو المتسارع، وإن كان مصحوبًا باحتمال كبير للفشل. فيٌراهِن رأس المال المُغَامِر على عمل الآخرين في المستقبل لتوليد عوائد ضخمة. هذه الشريحة من الطبقة الرأسمالية، التي تستثمر في صناديق رأس المال المُغَامِر على استعداد لتحمُّل خسارة استثماراتها في مشروعات عدّة من أجل احتمال أن يُحقِّق مشروع ناشئ واحد عائدًا يتجاوز بكثير الخسائر التراكمية.

في سياق الأسواق القائمة، يُستخدَم رأس المال التقليدي لإدامة وتوسيع وسائل الإنتاج الحالية. ومن الأمثلة النموذجية على ذلك الاستثمار في الآلات والبنية التحتية وتوسيع أنظمة المصانع. تهدف هذه الاستثمارات إلى تعزيز كفاءة وحجم الإنتاج؛ مما يؤدي بدوره إلى زيادة القدرة على استخراج فائض القيمة. يُعزِّز رأس المال التقليدي أيضًا علاقات الإنتاج القائمة، فيُعزِّز موقف الطبقة الرأسمالية في حين يرسِّخ في الوقت نفسه اعتماد الطبقة العاملة على العمل المأجور.

كلا النوعين من رأس المال مدفوعان بنفس الدافع: السعي وراء الربح. ومع ذلك، فإن الآليات التي يعمل بها كل منهما وآثاره على هيكل الإنتاج والعلاقات الطبقية تختلف، مما يعكس إستراتيجيات مختلفة داخل النظام الرأسمالي.

لماذا من المهم نقد رأس المال المُغَامِر؟
على الرغم من أن رأس المال المُغَامِر هو أحد أنواع رأس المال ويُوجَّه له نفس النقد، إلاّ أنه يقف كرمز للابتكار والديناميكية في الرأسمالية المتأخّرة. فتُعدّ دراسته ونقده أمرًا ضروريًا لفهم الفروق الدقيقة في الرأسمالية المعاصرة وتأثيرها على المجتمع.

كما يلعب رأس المال المُغَامِر دورًا حاسمًا في تشكيل الاتجاهات المستقبلية للاقتصاد وتحديد الابتكارات التي تتلقى الضوء الأخضر لمزيد من التوسُّع والتمويل. ويتمتَّع أصحاب رؤوس الأموال المُغَامِرة بنفوذ كبير، حيث لديهم القدرة على توجيه كم ضخم من الأموال وتقرير مصير المشروعات الجديدة. إن تركيز مثل هذه السلطة هو انعكاس للهياكل الطبقية الرأسمالية، وهي نقطة محورية في النقد المُقدّم في هذه الورقة.

ويُعدّ رأس المال المُغَامِر أيضًا لاعبًا قوي في الحركة العالمية لرأس المال و مُعزِّز للإمبريالية الاقتصادية خلال العقود الماضية، كما يُشجِّع إيديولوجيات ريادة الأعمال والإنجازات الفردية، مما قد يحجب الطبيعة الجماعية للإنتاج ومساهمات الطبقة العاملة، وهي قضايا تستحق النقد الماركسي.

أولًا: ظهور رأس المال المُغَامِر
رأس المال المُغَامِر كحجر الزاوية في تمويل المشروعات والتكنولوجيا الحديثة، له جذور عميقة في التطور التاريخي للرأسمالية، صعوده ليس ظاهرة معزولة، بل هو انعكاس لتحوُّل وتوطيد علاقات الإنتاج الرأسمالية.

قد نأخذ توسع القوى الأوروبية في الأمريكيتين خلال عصر الاستكشاف كمقاربة لرأس المال المُغَامِر. استثمر الممولين والتجار من دول مثل إسبانيا والبرتغال، ثم إنجلترا وهولندا لاحقًا، في الرحلات على أمل اكتشاف طرق تجارية جديدة والوصول إلى موارد مثل الذهب والفضة والتوابل. قد نعدّ هذه الحملات الاستعمارية صورًا مُبكِّرة من الاستثمارات المُغَامِرة، وإن كانت مدفوعة بالسياسات التجارية في ذلك الوقت، بدلاً من ديناميكيات السوق الرأسمالية التي تُميِّز رأس المال المُغَامِر في الوقت الحاضر.

وشكَّلت الثورة الصناعية تحولًا جذريًا في الإنتاج وتطلبت استثمارات رأسمالية كبيرة. إن إطلاق أولى المصانع الحديثة، مثل تلك أُنشأت في مانشستر وليفربول في إنجلترا أو ليون في فرنسا ، كان يحتاج إلى أكثر مما يُمكِن أن تُوفِّره مصادر رأس المال التقليدية، واستلزم تطوير أدوات ومؤسسات مالية جديدة لتلبية متطلبات رأس المال للصناعات الناشئة. لقد مهَّد هذا التحوُّل الطريق لإضفاء الطابع الرسمي على رأس المال المُغَامِر، حيث أصبح من الضروري تمويل الابتكارات التي لا تستطيع الأنظمة المالية التقليدية استيعابها. وعلى الرغم من أنه ليس مطابقًا لرأس المال المُغَامِر كما نعرفه اليوم، إلاَّ أنه كان بمثابة مُقدِّمة لاستثمارات رأسمالية أكثر تنظيمًا في مشروعات جديدة -وقتها- ذات إمكانات نمو عالية.

في القرن العشرين، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية ازدهار الاقتصاد الأمريكي ظهرت شركة غالبًا ما يُستشهد بها كأول شركة رأس مال مُغَامِر حقيقية، شركة البحث والتطوير الأمريكية (American Research and Development Corporation)، التي أسسها جورج دوريو، الأستاذ في كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد والجنرال السابق بالجيش، في عام 1946. كان نموذج الشركة ثوريًا لأنه سعى إلى الاستثمار في الشركات التي تتمتع بإمكانات نمو طويلة الأجل وعالية جدًا، بدلًا من تقديم القروض التي تتطلب عوائد فورية.

كان أبرز استثمار لشركة البحث والتطوير الأمريكية هو شركة المُعدَّات الرقمية (Digital Equipment Corporation “DEC”) في عام 1957. كانت شركة المُعدَّات الرقمية شركة ناشئة صغيرة في مجال التكنولوجيا في ذلك الوقت، لكنها ستصبح لاحقًا عملاقًا في صناعة الحواسيب. تحوَّل الاستثمار الأولي البالغ 70 ألف دولار من شركة البحث والتطوير الأمريكية إلى قيمة تزيد عن 355 مليون دولار عندما تم طرح شركة المُعَدَّات الرقمية للاكتتاب العام في عام [3]1968. وأظهر هذا العائد الاستثنائي على الاستثمار إمكانية أن تحقق نوعية جديدة من الاستثمارات عوائد عالية للغاية -مقارنة بالاستثمار التقليدي- وساعد في إنشاء نموذج استثمار رأس المال المُغَامِر.

لاحقًا، كانت الأحداث الأكثر تأثيرًا في تضخُّم حجم استثمارات رأس المال المُغَامِر هو الابتكار في تكنولوجيا أشباه الموصلات[4] التي وضعت الأساس لتطوير الحوسبة الشخصية، ثم تطوير الحاسوب الشخصي، ثم ظهور الإنترنت التجاري وانتشاره على النطاق العالمي.

أدَّت التطوُّرات التكنولوجية في أواخر القرن العشرين، ولا سيما في وادي السليكون، إلى إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي. وكان لرأس المال المُغَامِر دور فعَّال في هذا التحول، حيث وفَّر الموارد اللازمة لتوسيع نطاق الابتكارات وإنشاء صناعات جديدة. وفي حين أدى ذلك إلى خلق ثروة كبيرة وإحراز تقدُّم تكنولوجي، فقد جلب أيضًا تحديات وديناميكيات جديدة في العلاقة بين العمل ورأس المال، التي لا تزال قيد المناقشة والفهم حتى اليوم.

ثم جاءت طفرة الدوت كوم[5] في أواخر التسعينيات، التي تميَّزت بالارتفاع السريع في تقييمات أسهم التكنولوجيا الأمريكية التي تغذيها الاستثمارات في الشركات القائمة على الإنترنت. تميَّزت هذه الحقبة بانتشار الإنترنت التجاري واعتقاد سائد بأن مقاييس الأعمال التقليدية لا تنطبق على نماذج الأعمال التجارية عبر الإنترنت. وبدأ أصحاب رأس المال المُغَامِر في الاستثمار بكثافة في أي شركة تحمل في اسمها “دوت كوم”. غالبًا ما كان لدى هذه الشركات الناشئة الحد الأدنى من المنتجات القابلة للتطبيق ونماذج الأعمال غير المُثبَتة، لكنها كانت قادرة على جذب كميات كبيرة من رأس المال. طُرحت العديد من شركات الإنترنت الناشئة هذه لاكتتابات عامة أوليَّة (IPOs)، وشهدت ارتفاع ضخم في أسعار أسهمها في اليوم الأول من التداول.

كان التركيز على النمو والاستحواذ على حصة في السوق، مع إيلاء اهتمام أقل للربحية. ولعبت وسائل الإعلام دورًا مهمًا في تغذية هوس الدوت كوم عن طريق التغطية المستمرة لشركات الإنترنت الصاعدة وقصص المليونيرات الفوريين، الأمر الذي أدى بدوره إلى جذب المزيد من الاهتمام والاستثمار في هذا القطاع.

وصلت الفقاعة إلى ذروتها بين عامي 1999 و2000. فكانت قيمة العديد من الشركات مبالغ فيها، وكان السوق مشبعًا بشركات الإنترنت الناشئة. ومع تنافس العديد من شركات الإنترنت على حصة في السوق، تشبَّع السوق وأصبح من الواضح أنه لن تتمكَّن جميعها من البقاء أو تحقيق الربح.

مع فشل المزيد من الشركات في تحقيق الربحية، بدأت ثقة المستثمرين تتضاءل. وأدى إدراك أن العديد من الشركات لديها نماذج غير مستدامة؛ إلى إثارة عمليات بيع حادة في قطاع التكنولوجيا؛ فظهرت الأزمة الاقتصادية المعروفة بـ(فقاعة الدوت الكوم).
لاحقًا، أصبح رأس المال المُغَامِر قوة عالمية، مع وصول تدفُّق الأموال المُغَامِرة إلى ما هو أبعد من وادي السيليكون والأسواق المتقدِّمة إلى الاقتصادات الناشئة في جميع أنحاء العالم. فشهدت بلدان مثل الصين والهند والبرازيل وأجزاء من أسيا وأفريقيا تدفقًا لرأس المال المُغَامِر. واستفادت الشركات الناشئة المحلية من رأس المال المُغَامِر المحلي والدولي، مما مكَّنها من الاستفادة من التكنولوجيا والتوسُّع بسرعة.

وبما أن الأسواق التقليدية في البلدان المتقدمة أصبحت مُشبَّعة، فقد ركّز أصحاب رؤوس الأموال المُغَامِر على تقديم استثماراتهم في الأسواق الناشئة بحثًا عن عوائد أعلى على الاستثمار. لقد مكَّنَت التكنولوجيا التدفق السلس لرأس المال عبر الحدود، مما سمح لأصحاب رؤوس الأموال المُغَامِر بالاستثمار في الشركات الناشئة بغض النظر عن موقعهم الجغرافي. وقد أدى ذلك إلى ظهور مراكز تقنية مهمة في أماكن جديدة مثل بنغالو، الهند وبكين، الصين.

ثانيًا: مراحل عمر الشركات الناشئة
عودة إلى نوعية الشركات التي يستثمر بها رأس المال المُغَامِر، الشركات الناشئة (Startups)، التي تختلف عن الشركات التقليدية (Traditional Businesses) في العديد من الجوانب، كما أوضحنا سابقًا، فالاختلافات تتعلق بنموذج العمل والأهداف والنمو والتمويل. فمن جانب، تميل الشركات الناشئة إلى اعتماد نماذج أعمال مبتكرة وغالبًا ما تكون مُرتَكِزة على التقنية، وتهدف إلى اختراق الأسواق بسرعة وتوسيع نطاق عملياتها بشكل كبير، وقد يكون نموذج العمل غير مُثبت ويتطلب الاختبار والتكيُّف المستمر. ومن جانب آخر، تعتمد الشركات التقليدية على نماذج أعمال مُثبَتة ومعروفة، مع تركيز أقل على الابتكار السريع وأكثر على الاستقرار والنمو التدريجي.

تمر الشركات الناشئة بعدد من المراحل في عمرها، وفي كل مرحلة يُستخدم التمويل المُقدَّم من رأس المال المغامر في تطوُّر مُعيَّن في الشركة:

– مرحلة ما قبل التأسيس (Pre-Seed Stage): في هذه المرحلة، قد يكون لدى المؤسسين فكرة ونموذج أولي لمنتجهم، لكن الشركة لم تتشكل رسميًا بعد. التمويل عادة ما يأتي من المؤسسين أنفسهم أو من المستثمرين ملائكيين (Angel Investors)[6].

– مرحلة التأسيس (Seed Stage): في هذه المرحلة، تكون الشركة قد تأسست و بصدد تطوير منتجها أو خدمتها. عادة ما يكون التركيز في هذه الفترة على البحث والتطوير والتسويق الأولي وبناء فريق الإدارة. في هذه المرحلة، المستثمرون يمكن أن يكونوا مستثمرين ملائكيين أو صناديق رأس مال مخاطر متخصِّصة في المراحل المبكرة.

– مرحلة البدء (Start-up Stage): في هذه المرحلة، يكون لدى الشركة منتج أو خدمة جاهزة للسوق، لكنها قد لا تكون قد بدأت في تحقيق المبيعات بعد. وفي هذه المرحلة فإن الاستثمار يستخدم لتحقيق نمو المبيعات وتحسين المنتج.

– مرحلة النمو المبكر (Early Growth Stage): تكون الشركة قد بدأت في تحقيق الإيرادات وتحتاج إلى توسع أكبر، فيُستخدم التمويل في هذه المرحلة لزيادة رأس المال العامل وتوسيع نطاق العمليات وزيادة مبيعات وتسويق المنتجات أو الخدمات.

– مرحلة النمو المتأخر (Late Growth Stage):تكون الشركة في هذه المرحلة قد أقامت وجودًا قويًا في السوق وتُظهِر نموًا سريعًا. فيركِّز الاستثمار على توسيع القدرة الإنتاجية وتطوير المنتجات الجديدة أو التوسع الجغرافي.

– مرحلة ما قبل الاكتتاب العام (Pre-IPO Stage):في هذه المرحلة، تكون الشركة مستعدّة لطرح أسهمها للجمهور بواسطة الاكتتاب العام الأولي (IPO). ويُركِّز التمويل في هذه المرحلة على تعزيز البنية التحتية للشركة وموازناتها المالية استعدادًا لمتطلبات السوق المالية العامة.

ويدخل المستثمرون (وفي حالتنا هم المستثمرون في رأس المال المُغَامِر) في جولات استثمارية[7] لجمع التمويل اللازم للشركات الناشئة في أي من المراحل المذكورة سابقًا. ويكون الهدف النهائي هو الحصول على عائد الاستثمار(ROI)[8] من خلال طريقتين:

– الأولى، هي الاستحواذ[9] من قبل شركة أكبر، فقد تسعى الشركة الكبرى للاستحواذ على شركة ناشئة للحصول على تكنولوجيا مبتكرة وتوسيع قاعدة المنتجات أو الخدمات ودخول أسواق جديدة أو لتحقيق تكامل مع أحد منتجاتها وخدماتها. الاستحواذ يتطلب مفاوضات وتقييمًا لقيمة الشركة الناشئة وموافقة المساهمين. في هذه الحالة، يمكن للمستثمرين الحصول على عوائد ضخمة إذا كانت قيمة الشركة الناشئة قد زادت بشكل كبير منذ الاستثمار الأَوَّليّ.

– والثانية، هي الاكتتاب العام الأَوَّليّ (IPO)[10]، ويتطلب الوصول إلى مرحلة الاكتتاب العام أن تكون الشركة الناشئة قد حققت نموًا واستقرارًا في الإيرادات، وأن تمتلك قواعد مالية وإدارية واضحة. عادةً ما يؤدي الاكتتاب العام إلى عوائد كبيرة إذا قُيّمت الشركة بشكل جيد في السوق واستُقبِلَت بحماس من قبل المستثمرين. ويشمل الاكتتاب العام إجراءات معقَّدة تشمل التسجيل مع الهيئات التنظيمية وإعداد نشرة الاكتتاب والقيام بجولات ترويجية وغيرها من الخطوات.

وقد يقرر بعض المستثمرين الخروج من الشركة الناشئة في أي من مراحل عمرها؛ بغرض تحقيق عوائد على استثماراتهم أو للحصول على سيولة نقدية لاستثمارها في فرص أخرى برزت.

ثالثًا: تمويل الشركات الناشئة
وقد أسهم نمط تمويل الشركات الناشئة والمراحل التي تمر بها في خلق نظام بيئي للتمويل يحتضنها ويُؤهّلها لأداء دور مهم في النظام الرأسمالي. يتأَّلف هذا النظام من عدّة أشكال من الأساليب والكيانات والأفراد الرأسماليين، الذين يُقدِّموا الدعم المالي والفني للشركات الناشئة طبقًا لمراحل تطورها.

1. التمويل الذاتي
التمويل الذاتي هو إستراتيجية تمويل يعتمد فيها مؤسسي الشركات الناشئة على الموارد المالية الشخصية وإعادة استثمار الأرباح من الأعمال لتطوير وتوسيع شركتهم، بدلًا من الاستعانة بالتمويل الخارجي من المستثمرين. هذه الطريقة تتيح للمؤسسين الحفاظ على السيطرة الكاملة على عمليات شركتهم وتجنب تخفيف ملكيتهم. عادة ما تُستخدَم هذه الإستراتيجية في المراحل المبكرة جدا من عمر الشركة، قبل الحصول على تمويلات من مستثمرين وصناديق استثمار.

2. المستثمرين الملائكيون
المستثمرين الملائكيون هم أفراد ذوو ثروات كبيرة يقدِّمون رأس مال للشركات الناشئة في المراحل المبكرة جدًا من تطورها، وغالبًا مقابل حصة ملكية أو حقوق ملكية في تلك الشركات. هؤلاء المستثمرين يبحثون عن عوائد مالية مرتفعة لتعويض الخطر الكبير المرتبط بالاستثمار مبكرًا في الأعمال الناشئة. بالإضافة إلى التمويل، غالبًا ما يقدمون قيمة مضافة للشركات الناشئة من خلال خبراتهم وشبكاتهم المهنية، ما يساعد هذه الشركات على النمو والتطور بشكل أسرع. هذا النوع من المستثمرين يلعب دورًا حيويًا في اقتصاد الشركات الناشئة، حيث يقدمون الدعم المالي والتوجيه اللازمين لتحويل الأفكار المبتكرة إلى شركات ناجحة ومستدامة.

3. حَاضِنات الأعمال
هي مُنظَّمات مصممة لرعاية الشركات الناشئة خلال مراحلها الأولى، وغالبًا ما تتبع مُنظَّمات غير ربحية مثل الجامعات أو مُنظَّمات التنمية الاقتصادية، وعادةً ما تقدم الحاضنات خدمات محدودة مثل المساحات المكتبية والمرافق والوصول إلى المُعدَّات والخدمات الإدارية والتوجيه والخبرة. وفي الغالب، لا تُوفِّر الحَاضِنات التمويل المباشر، وقد لا تأخذ حصة في الشركة.
تُموَّل الحَاضِنات بواسطة مزيج من مصادر التمويل العامة والخاصة، مثل المنح والإعانات الحكومية والجامعات ورعاية الشركات[11] وعبر منح مُقدَّمة من مُنظَّمات غير هادفة للربح. عادةً ما يتم تفعيل دور الحَاضِنات في المراحل الأولى من حياة الشركة الناشئة (مرحلة ما قبل التأسيس ومرحلة التأسيس).

4. مُسرِّعات الأعمال
هي مُنظَّمات تُنفِّذ برامج تدعم الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة من خلال الإرشاد والتمويل بهدف “تسريع” نمو الأعمال خلال فترة زمنية قصيرة. وفي مقابل الخدمات التي تقدمها مُسرِّعات، تحصل على حصص في الشركات الناشئة.وغالبا ما يكون مصادر تمويل مُسرِّعات هي صناديق استثمارية ورعاية الشركات. وتتعامل مُسرِّعات مع الشركات الناشئة أثناء مرحلة التأسيس وأحيانًا مرحلة البدء، أي عندما يكون لدى الشركة الناشئة الحد الأدنى من المنتج الأولي القابل للتطبيق (MVP) [12]. وتسعى أيضًا المُسرِّعات إلى تحسين نموذج أعمال الشركات الناشئة وجذب المستثمرين في المراحل المبكرة.

5. صناديق رأس المال المُغَامِر
صناديق رأس المال المُغَامِر (VC) هي صناديق استثمار تُدِير أموال المستثمرين الذين يسعون للحصول على حصص في الأسهم الخاصة في الشركات الناشئة التي تتمتع بإمكانات نمو قوية. على عكس المُسرِّعات عادة ما يشارك أصحاب رأس المال المُغَامِر بعد أن تُظهِر الشركة بعض الزخم أو مرَّت بواحدة من برامج المُسرِّعات. و يكون دور هذه الصناديق هو توفير رأس مال كبير للشركات الناشئة وتقديم الخبرة والإرشاد والتركيز على توسيع نطاق الأعمال بسرعة، مقابل حقوق ملكية والعمل على تحقيق عائد كبير على استثماراتهم من خلال إستراتيجية الخروج، مثل الاكتتاب العام أو الاستحواذ.

يكون تمويل هذه الصناديق بوساطة أفراد وصندوق الصناديق والمستثمرون من الشركات ورسوم الإدارة والفائدة المحمولة[13]. كما يحصل صندوق رأس المال المُغَامِر على حصة من الأرباح من استثماراته.

تميل صناديق رأس المال المُغَامِر إلى المشاركة في مراحل متأخِّرة من عمر الشركات الناشئة (في مرحلة النمو المبكر ومرحلة النمو المتأخر) بمجرد أن تُثبِت الشركة الناشئة أنها مناسبة لسوق المنتج وتتطلع إلى توسيع نطاق العمليات. وعادةً ما يكون هذا استثمارًا كبيرًا يستخدم لتوسيع نطاق المنتج ودخول أسواق جديدة وزيادة جهود المبيعات والتسويق. إلاَّ أنه قد تُقرِّر صناديق رأس المال المُغَامِر أن تستثمر في الشركات الناشئة في أي من مراحل عمرها، بناءًا على النجاح المُتوقَّع من الشركة.

العلاقات بين كيانات التمويل
عادة ما يكون هناك علاقات وتعاون بين المستثمرين ملائكيين والحَاضِنات والمُسرِّعات وصناديق رأس المال المُغَامِر، ويُمكِن أن تتراوح هذه العلاقات من الشبكات غير الرسمية والإحالات إلى الشراكات الرسمية وخطوط الاستثمار.

– العلاقات الرسمية: قد يكون لدى بعض شركات رأس المال المُغَامِر والمستثمرين ملائكيين اتفاقيات رسمية مع المُسرِّعات أو الحَاضِنات، بما في ذلك الحقوق الحصرية للنظر في الاستثمار في خريجيها.و قد تكون هناك قنوات رسمية لمشاركة المعلومات أو توفير امتيازات النظرة الأولى[14] لبعض المستثمرين. وفي بعض الحالات، قد يكون لصناديق رأس المال المُغَامِر حصة مالية أو اتفاقيات رعاية مع المُسرِّعات أو الحَاضِنات.

– الإحالات(Referrals)[15]: قد تُحِيل الحَاضِنات الشركات الناشئة الواعدة إلى مُسرِّعات الأعمال أو مباشرة إلى المستثمرين ملائكيين أو صناديق رأس المال المُغَامِر. على العكس من ذلك، فإن أصحاب رأس المال المُغَامِر الذين يرون إمكانات في شركة ما في وقت مبكر جدًا بالنسبة لمعايير الاستثمار الخاصة بهم قد يحيلونهم إلى برنامج تسريع الأعمال.

الافتتاح التجريبي وفعاليات العروض التقديمية(Demo Days and Pitch Events)[16]: عادةً ما تُنهِي المُسرِّعات برامجها بيوم عرض تقديمي، حيث تُقدِّم الشركات الناشئة أعمالها في غرفة مليئة بالمستثمرين وصناديق رأس المال المُغَامِر والمستثمرين ملائكيين التي تستكشف الاستثمارات المحتملة.

– الاستثمار المشترك (Co-Investment): في بعض الأحيان، قد تستثمر صناديق رأس المال المُغَامِر والمستثمرين ملائكيين ومُسرِّعات الأعمال بشكل مشترك في شركة ناشئة، حيث تُوفِّر المُسرِّعة رأس مال والمستثمرين ملائكيين أولي مبكرًا ويُقدِّم رأس المال المُغَامِر تمويل أكبر مع نمو الشركة.

– الشراكات الإستراتيجية (Strategic Partnerships): هناك أيضًا شراكات إستراتيجية حيث يُمكِن لصندوق رأس المال المُغَامِر والمُسرِّعة/الحَاضِنة و المستثمرين ملائكيين التعاون في العثور على شركات واعدة ورعايتها وتعزيز تدفق الصفقات التمويلية لها.

رابعًا: تركيز السوق وحرق النقد
كما ذكرنا، فإن رأس المال المُغَامِر يُركِّز على العائدات المرتفعة في الشركات التي لديها الفرص المستقبلية في السيطرة على حصص كبيرة من السوق، مما يخلق حواجز عالية أمام دخول المنافسين، خاصة بالنسبة للشركات الناشئة والشركات الصغيرة التي لا تستطيع الوصول إلى مستويات مُمَاثِلة من التمويل. هذه الشركات التي تتلقى تمويلًا كبيرًا تكتسب سيطرة على وسائل الإنتاج داخل قطاعات عملها، بحيث يُمكِن استخراج فائض القيمة بشكل أكثر كفاءة. وغالبًا ما يتم تشجيع الشركات الناشئة الناجحة على مواصلة النمو من خلال الاستحواذ، مما يؤدي إلى مزيد من تركيز السوق.

وفي سعي الشركات الناشئة ورأس المال المُغَامِر في تحفيز نمو الأعمال تستخدم إستراتيجية “حرق النقد” (Burning cash) هذا المصطلح يُستخدم لوصف الوضع الذي تنفق فيه الشركة أموالًا بسرعة وبكم كبيرين، يتجاوز كثيرًا كم إيراداتها. وتتم العملية بواسطة إنفاق الشركات كم ضخم من الأموال على أنشطة تساهم في تسريع نمو الشركة لأقصى درجة ممكنة، مثل الحملات التسويقية وفرق المبيعات لزيادة الوعي بالعلامة التجارية وجذب العملاء والدخول في أسواق جديدة، سواء كان ذلك في دولها أو على مستوى العالمي. حرق النقد يحدث عادة في المراحل الأولى من دورة حياة الشركة (فتحتاج إلى إنفاق كميات كبيرة من الأموال لتطوير المنتج واكتساب العملاء) وعندما تسعى الشركة للتوسع وزيادة حصتها في السوق (تزيد من معدَّل حرق النقد لتمويل خططها التوسعية).

خامسًا: كيف ننظر لرأس المال المُغَامِر
يبحث رأس المال المُغَامِر باستمرار عن فرص جديدة للاستثمار وتحقيق الأرباح، خصوصًا عندما تصل الأسواق التقليدية إلى حالة من الإشباع وميل معدل الربح إلى الانخفاض[17]. هذا النوع من الرأسمال يزدهر في بيئة تتسم بالبحث عن فرص النمو، مُوجِهًا تمويله نحو الشركات الصاعدة والابتكارات التي يُمكِن أن تتسع بسرعة، مما يفتح آفاقًا جديدة لتراكم الثروات.

في هذا السياق، يُظهر رأس المال المُغَامِر – مثله مثل رأس المال التقليدي- كيف تُسيطِر الطبقة الرأسمالية على ثمار العمل الإنساني، حيث يُحوَّل الابتكار والعمل من إمكانية لتحقيق الفائدة العامة إلى وسيلة لتوليد الأرباح للمستثمرين. الأفكار والابتكارات لا تظل ملكًا لصانعيها، بل تصبح جزءًا من محفظة المستثمرين الذين يُموِّلوها. فتُسيطر الطبقة الرأسمالية على الابتكارات دون المشاركة فعلية في العملية الإنتاجية، وتوجّه التطوير والتمويل حسب منطق السوق والربحية بدلًا من الاحتياجات الاجتماعية أو التقدُّم الإنساني.

بواسطة توجيه الأموال إلى تطوير التقنيات الجديدة والشركات الناشئة، يؤثِّر أصحاب رأس المال المُغَامِر بشكل مباشر على مسار القوى الإنتاجية، فيُعدّوا كما لو أنهم عوامل التغيير، حيث يعزِّزون تطوُّر قطاعات صناعية جديدة، وتقادم قطاعات قائمة. هذا الشكل من رأس المال لا يتعلَّق باستغلال وسائل الإنتاج القائمة بقدر ما يتعلق بخلق وسائل جديدة، والتي بدورها قد تولد علاقات إنتاج جديدة.
بواسطة رأس المال المُغَامِر، لا تحافظ الطبقة الرأسمالية على هيمنتها الاقتصادية فقط من خلال إدامة أشكال الاستغلال القائمة، بل أيضًا من خلال ريادة الأشكال الجديدة. ومع نضج وسائل الإنتاج الجديدة هذه، فإنها تندمج في النظام الرأسمالي التقليدي، ما يُمهِّد الطريق لرأس المال التقليدي للتحرك والبدء في دورة الاستغلال واستخراج فائض القيمة ودخول دائرة تراكم رأس المال.

إن رأس المال المُغَامِر ليس مُنتجًا ماليًا مبتكرًا داخل النظام الرأسمالي فحسب، بل هو أيضًا جسر إلى حدود جديدة للتوسع الرأسمالي.

1. رأس مال مالي ورأس مال تمويلي
يُستخدَم رأس المال المُغَامِر لتمويل العمليات وتعيين الموظفين وتطوير المنتجات، وقد يَظهَر كما لو أنه يساهم في الاقتصاد الحقيقي ويهدف إلى خلق القيمة بواسطة بناء الشركات ونموها. إلاَّ أن الواقع غير ذلك، فالهدف النهائي ينصب على النمو السريع وإستراتيجيات الخروج التي تعمل على تعظيم العائدات، وليس بالضرورة على الخلق المستدام للقيمة بواسطة العمل.

الرأسماليون المغامرون -كجزء من الطبقة الرأسمالية- لا يخلقون القيمة بأنفسهم، بل يُسهّلون الظروف التي يُمكِن بموجبها استخلاص القيمة الفائضة (توفير التمويل اللازم لصناديق استثمار مغامرة، تقوم بدورها بتمويل الشركات الناشئة) من عمل أولئك الذين يشاركون فعليًا في عملية الإنتاج – العمال والمهندسون والمصممون في الشركات الناشئة.

هذا ينقلنا إلى زاوية لتحليل رأس المال المُغَامِر كرأس مال مالي وكرأس مال تمولي.

يُقدِّم رودولف هيلفردينج في كتابه “رأس المال التمويلي” (Finance capital)، الذي نُشر في عام 1910، تحليلًا لكيفية تطور الرأسمالية من خلال التركيز على الدور المتزايد للمؤسسات المالية مثل البنوك وأسواق الأوراق المالية. يرى هيلفردينج أن رأس المال التمويلي ينشأ عندما يبدأ رأس المال الصناعي والبنوك بالتعاون بشكل وثيق للغاية، مما يؤدي إلى تركُّز الإنتاج والرأسمال وتحكُّم قلَّة من الشركات الكبيرة بقطاعات كاملة من الاقتصاد. كان هيلفردينج يُلاحظ اتجاهًا حيث أصبحت البنوك لاعبين رئيسيين في المؤسسات الصناعية، غالبًا من خلال توفير رأس المال طويل الأجل واكتساب التأثير على القرارات الصناعية.

لينين، من جهته، يوسِّع هذه الأفكار في كتابه “الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية” (1917)، حيث يصف رأس المال التمويلي كخاصية أساسية لمرحلة الإمبريالية في الرأسمالية. يرى لينين أن الإمبريالية هي نتيجة للبحث عن أسواق جديدة ومجالات للاستثمار الرأسمالي، ويرتبط ذلك بالتوسع الاستعماري والتنافس بين القوى العظمى. ويَعِدّ لينين رأس المال التمويلي في هذا السياق أداة لتوسيع النفوذ الاقتصادي والسياسي عبر الحدود الوطنية.

أما رأس المال المالي -من منظور ماركسي- يُشير إلى مجموعة من الموارد النقدية والأصول المالية التي يستثمرها الرأسماليون بهدف تحقيق الأرباح وتنمية ثرواتهم. لا يُنظر إلى هذا النوع من رأس المال على أنه مجرد مبالغ مالية قابلة للصرف فحسب، بل هو وسيلة للسيطرة على وسائل الإنتاج وتوسيع نطاق الأعمال التجارية. ويلعب دورًا حيويًا في النظام الرأسمالي، حيث يُمكِّن الطبقة الرأسمالية من تعظيم ثرواتهم دون الحاجة إلى المشاركة المباشرة في عمليات الإنتاج أو التوزيع بأنفسهم. يتم التعامل مع رأس المال المالي من خلال الأسواق المالية، مثل الأسهم والسندات والتعاملات الائتمانية، كما يُعدّ الجسر الذي يُمكِّن الرأسماليين من تحقيق القيمة الفائضة (أو الأرباح) عن طريق استثماره في المشاريع الإنتاجية.

إن رأس المال المُغَامِر، كما هو موجود اليوم، يختلف عمَّا وصفه هيلفردينج. فمصدر رأس المال المُغَامِر عادة ما يتم الحصول عليه من الأفراد ذوي الثروات العالية (المستثمرين الملائكة) وشركات رأس المال الغامر والمستثمرين من الشركات والكيانات المالية الأخرى التي لا تشمل بالضرورة البنوك. ومع ذلك، إذا طبّقنا مفهوم هيلفردينج على نطاق أوسع، فلا يزال من الممكن عدّ رأس المال المُغَامِر صورة من صور رأس المال التمويلي بالمعنى العام، لأنه يُمثِّل مجمعات كبيرة من رأس المال المستخدم لممارسة التأثير على القطاع الإنتاجي، حتى لو كانت الآليات المحددة في دور البنوك تختلف عن عصر هيلفردينج.

قد لا يكون رأس المال المُغَامِر هو رأس المال التمويلي الكلاسيكي الذي وصفه هيلفردينج، ولكنه يعمل ضمن نفس مجال استثمار رأس المال، مع تأثير كبير على اتجاه وهيكل الصناعات.

في سياق النظرية والممارسة الاقتصادية، لماذا يُمكننا تصنيف رأس المال المُغَامِر كرأس مال مالي وكرأس مال تمويلي أيضًا؟
يُمكِن النظر إلى رأس المال المُغَامِر على أنه صورة من صور رأس المال المالي بواسطة عدّة جوانب:

– أولًا، رأس المال المالي يشمل تلك الموارد المتاحة للشركات لتنفيذ استثماراتها، بما في ذلك شراء الأصول وتمويل العمليات وتحفيز النمو. في هذا السياق، يتم توجيه رأس المال المُغَامِر بشكل خاص نحو الشركات الناشئة وتلك التي تمر بمرحلة توسع، التي تبرز بإمكاناتها العالية للابتكار والتطور.

– ثانيًا، يُعدّ تمويل الأسهم جزءًا لا يتجزأ من مفهوم رأس المال المالي، وهو يشمل الاستثمارات التي تتم في مقابل حصص في ملكية الشركة. هذا النهج هو السمة المميزة لرأس المال المُغَامِر حيث يُقدِّم المستثمرون رأس المال للشركات ويحصلون في المقابل على جزء من الأسهم.

– ثالثًا، يتم استغلال الأموال المتحصّلة من رأس المال المُغَامِر في دعم العمليات اليومية للشركات وتوسيع قاعدة أعمالها. هذا الاستخدام الأمثل للأموال يُعدّ جوهر رأس المال المالي، حيث تُستثمر الأموال لتعزيز وتنمية العمليات التجارية الأساسية.

– رابعًا، يُركِّز رأس المال المُغَامِر على إيجاد قيمة مضافة من خلال بناء وتطوير الأصول الملموسة وغير الملموسة للشركات. هذا التوجه يعكس وظيفة رأس المال المالي في أبسط أشكالها، حيث الهدف النهائي هو خلق وتنمية القيمة داخل الشركات.
ويُمكِن النظر إلى رأس المال المُغَامِر على أنه صورة من صور رأس المال التمويلي بواسطة عدّة نقاط:

– أولًا، وفقًا للمفهوم الذي طرحه هيلفردينج ولينين، يتمثل رأس المال التمويلي في القدرة على السيطرة على أسواق رأس المال وتوجيهها. من هذا المنطلق، تعتبر شركات رأس المال المُغَامِر أحد الفاعلين الرئيسيين في هذه الأسواق، خصوصًا فيما يتعلق بسوق الأسهم الخاصة، حيث لها تأثير كبير على تدفقات الاستثمار ودينامكيات السوق.

– ثانيًا، يتجاوز دور رأس المال التمويلي مجرد تقديم الأموال، فهو يشمل أيضًا السيطرة الإستراتيجية. غالبًا ما ينخرط مستثمرو رأس المال المُغَامِر بشكل فعَّال في تحديد الاتجاهات الإستراتيجية للشركات التي يستثمرون فيها، مما يُجسِّد مفهوم رأس المال التمويلي كقوة مؤثرة ومُخطِّطة.

– ثالثًا، يرتبط رأس المال التمويلي بقدرته على تشكيل النتائج الاقتصادية بشكل ملموس. استثمارات رأس المال المُغَامِر لها القدرة على التأثير بشكل كبير على الابتكار واتجاهات الصناعة والنمو الاقتصادي، وذلك بشكل خاص في الصناعات التكنولوجية المتطورة والقطاعات الحديثة.

– رابعًا، وإن كان رأس المال المُغَامِر لا يُمثِّل الاندماج التقليدي لرأس المال المصرفي والصناعي، إلَّا أنه يعكس نوع من التكامل المعاصر بين مصالح المستثمرين والمشاريع الريادية. هذا التكامل يمكن تفسيره على أنه تجسيد لمفهوم رأس المال التمويلي في العصر الحديث.

وكملخَّص، عندما يُنظَر إلى رأس المال المُغَامِر من منظوره الوظيفي في توفير التمويل اللازم للشركات لتغطية نفقاتها التشغيلية وبناء أصولها، يكون تصنيفه كرأس مال مالي. هذا يعني أنه يُعدّ كأداة تمويلية تُمكِّن الشركات من تحقيق أهدافها الإنتاجية والتوسعية.

ومن ناحية أخرى، إذا ما تم التركيز على الدور الإستراتيجي الذي يؤديه رأس المال المُغَامِر وتأثيره وسيطرته على السوق، فإنه يُعدّ رأس مال تمويلي. هذا الجانب يشمل العمل الإستراتيجي الذي يتجاوز مجرد التمويل، حيث يحتضن النفوذ الذي يمكن لرأس المال المُغَامِر أن يمارسه على اتجاهات السوق والقرارات التنظيمية للشركات التي يستثمر فيها. هذا التصنيف يأخذ في الاعتبار التطورات الحديثة في عالم الأعمال ويعتمد -كمقاربة- على النموذج التقليدي للمجمع الصناعي المصرفي الذي قدمه هيلفردينج.

2. كيف يقود رأس المال المُغَامِر إلى اقتصاد وهمي؟
ينشأ رأس المال الوهمي[18] عندما يتم تداول وتقييم الأدوات المالية (مثل الأسهم أو السندات أو الأوراق المالية الأخرى) على أساس توقعات الأرباح أو الأرباح المستقبلية، بدلًا من توليد فائض القيمة الحالي أو الماضي. في حالة رأس المال المُغَامِر غالبًا ما تعتمد التقييمات المرتفعة للشركات الناشئة، خاصة في مرحلة ما قبل الاكتتاب العام أو الاستحواذ، على توقعات النمو والربحية المستقبلية.

وغالبًا ما يتجاوز تقييم الشركة الناشئة، خاصة في صناعة التكنولوجيا، قدرتها الإنتاجية الحالية أو المقاييس التقليدية المستخدمة لتقييم الشركة. يؤدي هذا الانفصال إلى وضع تكون فيه قيمة الشركة انعكاسًا للتوقعات المستقبلية أكثر من كونها انعكاسًا لإنتاجها الحالي. وعندما يستثمر أصحاب رؤوس الأموال في الشركات الناشئة، فإنهم يراهنون على إمكانات الشركة المستقبلية بدلًا من ربحيتها الحالية. وبما أن هذه التوقعات تدفع الاستثمارات والتقييمات؛ فإنها تخلق فجوة بين القيمة السوقية للشركة والقيمة الفعلية المُستمَدة من أنشطتها الإنتاجية.

يخلق ذلك صورة من صور (المضاربة) في الشركات الناشئة التي يُمكِن توسيع عمليَّتها بسرعة وبيعها أو طرحها للاكتتاب العام لتحقيق أرباح كبيرة. وهذا يؤدي برأس المال المُغَامِر (والشركات الناشئة نفسها) إلى رفع تقييم الشركات، فقط استنادًا لتوقعات النمو المرتفع ما يؤدي إلى تضخم أسعار الأصول بما يتجاوز القيمة الفعلية للإنتاج أو الإيرادات الحالية للشركات.

ويُعدّ تضخُّم أسعار الأصول سمة مميزة للأَمْوَلة، حيث يتحول التركيز من القيمة الحقيقية -التي يتم إنشاؤها بواسطة الأنشطة الإنتاجية- إلى القيمة المستقبلية المُتصَّورة في الأسواق المالية. إن تركيز صناديق رأس المال المُغَامِر على إستراتيجيات الخروج من لحظة استثمارها في الشركات الناشئة، كما ذكرنا عبر عمليات الاندماج والاستحواذ أو الاكتتاب العام (IPOs)، تؤدي إلى توريق حصص الملكية، أي تحويل الأصول الملموسة وغير الملموسة إلى منتجات مالية قابلة للتداول، وهذه السمة المُميِّزة تُشكِّل عنصراً أساسيًا في عملية الأَمْوَلة.

كما أن عملية تحويل الاستثمارات في الشركات الناشئة إلى عمليات مضاربة هو في أساس تكوين رأس المال المُغَامِر. هناك العديد من الأمثلة الواقعية التي تؤكد ذلك. عند النظر إلى الاستثمارات في الشركات الناشئة التي تستعد للاكتتاب العام الأولي، نجد أن شركات بحجم فيسبوك (ميتا حاليًا) وتويتر (إكس حاليًا) كانتا قد استفادتا من تمويلات ضخمة من المستثمرين المغامرين قبل أن تُطرَح أسهمها في البورصة. المستثمرون الأوائل في هذه الشركات حققوا عوائد مالية ضخمة عندما أصبحت الشركات عامة. بعد هذه المرحلة، ركّز بعض المستثمرين على استغلال تقلبات السوق ببيع أسهمهم متى شهدت ارتفاعات، دون التركيز على الأسس المالية والاقتصادية للشركات، ما ادى لتقلبات ضخمة في أسعار الأسهم.

وفي نفس السياق، فعندما يشتري عدد كبير من المستثمرين هذه الضجة ويستثمرون على أساس توقعات النمو المستمر والمخارج المربحة، يؤدي ذلك إلى فقاعات اقتصادية (كما حدث في فقاعة الدوت كوم في النصف الثاني من التسعينيات). وتُشكِّل هذه الفقاعات مثالًا جوهريًا لرأس المال الوهمي، لأنها تمثِّل قيمة تختفي إذا تحولت معنويات السوق أو إذا لم يتحقق النمو المُتوقَّع أو اذا اكتشفت ألاعيب الشركات الناشئة والمستثمرين، مما يكشف عن التفاوت بين القيمة الفعلية والمُتصوَّرة لهذه الأصول.

والأمثلة على ذلك في قطاع الشركات الناشئة عديدة:
شركة ثيرانوس (Theranos) واحدة من أبرز الأمثلة على الشركات الناشئة التي تضخمت قيمتها ثم انهارت. كانت الشركة تعمل في مجال تطوير تقنية لفحص الدم بواسطة قطرة واحدة فقط، وقد صُنِّفت واحدة من أكبر الشركات الناشئة في العالم بتقييم يصل إلى 9 مليارات دولار. تبين لاحقًا أن تقنية الشركة لم تكن موثوقة وأنها قدمت معلومات مضللة للمستثمرين والجمهور. انهارت قيمة الشركة وتعرضت للعديد من الدعاوى القضائية.

شركة وي ورك (WeWork) أيضًا من الشركات الناشئة التي تضخمت قيمتها بشكل غير حقيقي ثم انهارت. كانت الشركة تعمل في مجال تأجير مساحات العمل المشتركة وحازت على شهرة كبيرة وتقييمات مرتفعة تصل إلى 47 مليار دولار. تبين لاحقًا أن الشركة تعاني من مشكلات مالية وإدارية، وتراجعت قيمتها بشكل كبير وتعرضت لتسريح العديد من الموظفين وتأجيل خطط الطرح العام الأولي للأسهم.

أما شركة Juicero فهي الأكثر غرابة وفكاهه، هذه الشركة جمعت تمويلًا يُقدّر بـ120 مليون دولار لتقديم خدمة آلة لعصر العصائر التي تعمل بنظام الاشتراك الشهري. تبين أنه يمكن للأشخاص الحصول على نفس العصير ببساطة عن طريق ضغط الأكياس (المُخصّصة لآلة العصر) يدويًا دون الحاجة إلى الجهاز المكلف (700 دولار).

شركة زينفيتس (Zenefits) هي شركة تكنولوجيا ناشئة تعمل في مجال تسهيل إدارة الموارد البشرية والتأمين الصحي للشركات الصغيرة والمتوسطة. حققت زينفيتس نجاحًا كبيرًا وتم تقييمها بمليارات الدولارات. تبين في وقت لاحق أن الشركة كانت تمارس ممارسات غير قانونية وغير أخلاقية للحصول على تراخيص وسيط التأمين الصحي بهدف زيادة عدد عملياتها بأسرع وقت.

أما لوكين كوفي (Luckin Coffee) غالبًا ما توصف بأنها المنافس الصيني لستاربكس، كانت ذات يوم شعبية جدًا في سوق الأوراق المالية. وتبين أنها قامت بتزوير أرقام مبيعات، مما أدى إلى انهيار سعر سهمها وتقديم الشركة طلبًا للحماية من الإفلاس.

أما شركة كابيتر المصرية التي تعمل في مجال التجارة الإلكترونية، تحديدًا بوصفها وسيطا في مجال السلع الاستهلاكية سريعة الدوران بين التجار والموردين من خلال تطبيقها الإلكتروني، فقد انهارت فجأه بعد أن حصلت على تمويلات تقترب من 60 مليون دولار من العديد من المستثمرين الدوليين على مدار سنوات عمرها القصير، وكان الفشل بسبب حرق النقدية للوصول لأقصى حصة ممكنة من السوق.

تجربة مصرية أخرى هي شركة سويفل، التي طُرحت في بورصة ناسداك بقيمة 1.5 مليار دولار أمريكي (10 دولار للسهم) واستمرت سويفل في التوسع السريع، مقلها كأغلب الشركات الناشئة الأخرى، ووصل توسعها لعشرين سوق في حين أنها لم تكن تُحقِّق أرباح. انهار سهم سويفل سريعًا ووصل إلى نصف دولار فقامت الشركة بالعديد من الإجراءات لوقف نزيف خسائرها، وكان أول ما فعلته هو تسريح ثلث العاملين بها.

3. استغلال العمال كسمة متأصلة
بينما تتنافس الشركات الناشئة على الربح والحصص السوقية واجتذاب الجولة التالية من الاستثمار، فإن العمال، من طابق المصنع إلى حجرة المكتب، هم الذين يدفعون الثمن من رفاهتهم وحقوقهم.

إن التركيز المستمر على الربحية يأتي على حساب العمال الذين يشكلون مصدر الربح لهذه الشركات. يتجاهل سرد الرأسمالية المغامرة حقيقة مفادها أنه من أجل الحفاظ على هوامش الربح ضخمة، لا بد من ضغط تكاليف العمالة. ويترجم هذا الضغط الاقتصادي إلى إستراتيجيات تعمل على تقويض العمل؛ حيث يجد العمال أنفسهم يتقاضون أجورًا متدنية وأدوارهم عرضة لعدم الاستقرار الدائم وتطول ساعات عملهم وتتقلَّص فوائدهم إلى أقل من الحد الأدنى. إن نموذج رأس المال المُغَامِر الذي يُثمِّن العمليات المالية وقابلية التوسُّع، يُحفِّز بطبيعته على تقليل نفقات العمالة إلى الحد الأدنى لتضخيم عوائد المستثمرين.

في النظرية الماركسية تُعدّ استخراج فائض القيمة هي حجر الزاوية التحليلي ، حيث تصف العملية التي يجني الرأسماليون من خلالها الربح من قوة عمل العمال. هذا التفاوت بين القيمة التي يخلقها العمال والأجور التي يتلقونها ليس مجرد نتيجة ثانوية مؤسفة للرأسمالية، بل هو سمة أساسية لها. ويعمل رأس المال المُغَامِر مع ميله إلى الكفاءة المفرطة والنمو، على تفاقم هذا الاستغلال. فبينما تسعى الشركات المدعومة بالمشاريع إلى تحقيق إنجازاتها التي تعد بمزيد من الاستثمار أو إستراتيجية خروج مربحة، يتكثَّف الدافع لاستخراج المزيد من فائض القيمة.

على الجانب الآخر، فإن صعود اقتصاد الوظائف المرنة[19] -الذي يبشِّر به أصحاب رؤوس الأموال المغامرة باعتباره ابتكارًا- هو شهادة على هذا الاتجاه. إن انتشار العمل المرن، والذي يكون دون شبكة الأمان المُتمثّلة في مزايا التوظيف مثل التأمين الصحي أو الإجازة مدفوعة الأجر أو مدخرات التقاعد، يجعل العمال عرضة للخطر دائمًا. فيتحمَّل العمال، المصنفون كمقاولين مستقلين، وطأة تقلبات السوق وغياب قوة المساومة الجماعية. رأس المال المُغَامِر ليس مجرد مستثمر سلبي في هذا الاتجاه، بل هو مهندس نشط لسوق عمل حيث يتم تطبيع عدم الاستقرار.

تاريخيًا، كانت النقابات العمالية أحد الخطوط الدفاعية ضد سلطة أصحاب العمل غير المُقيَّدة والتفاوض من أجل الحصول على أجور عادلة وتأمين فرص وظروف عمل كريمة. لكن نموذج رأس المال المُغَامِر يميل بقوة إلى القوى العاملة المرنة وهو نمط يُصعّب تنظيم العمال لكنه على الجانب الآخر ضروري للحفاظ على التوسع السريع الذي يتوقعه المستثمرون. والنتيجة هي تقويض دقيق ولكن منهجي للنقابات العمالية. إن الانخفاض في كثافة النقابات ليس ظاهرة معزولة عن ممارسات رأس المال المُغَامِر، ولكن ستراتيجيات النمو ونماذج الأعمال الخاصة به يساهم بشكل كبير في هذا الاتجاه.

وقد أدى اقتصاد الوظائف المرنة، المدعوم باستثمارات كبيرة في رأس المال المُغَامِر، إلى إعادة تعريف نماذج التوظيف التقليدية. قد يكون المهم الإشارة إلى بعض الأمثلة الشهيرة؛

كانت شركات مثل أوبر ودي دي وإن درايف رائدة في نظام يتم فيه تصنيف السائقين مقاولين مستقلين، وليس موظفين. هذا التصنيف له آثار كبيرة على فوائد العمال والأمن الوظيفي. لا يحق للمقاولين المستقلين عادةً الحصول على التأمين الصحي الذي يقدمه صاحب العمل أو الإجازة مدفوعة الأجر أو التأمينات. وعند الأخذ في الاعتبار التكاليف التشغيلية، مثل صيانة المركبات والوقود، يكون صافي أرباح هؤلاء العمال منخفضًا بشكل ملحوظ.

تعمل خدمات التوصيل مثل شركة (طلبات) وشركة (مرسول) على نموذج مماثل، حيث تُدفَع أجور العمال لكل عملية توصيل. ومن الممكن أن يخلق هذا النظام بيئة عمل لا يمكن التنبؤ بها حيث يكون الدخل غير مستقر، وطبيعة العمل تؤدي إلى الضغط من أجل التسليم السريع ما يؤثِّر على سلامة العمال ورفاهتهم.

أدى صعود عمالقة التجارة الإلكترونية مثل أمازون، بدعم من رأس المال المُغَامِر، إلى زيادة الطلب على عمالة المستودعات. وفي حين أن هذه الوظائف يمكن أن توفِّر فرص عمل، فقد كانت هناك تقارير واسعة النطاق عن ظروف صعبة، بما في ذلك السرعة المتطلبة والمراقبة المكثفة، والممارسات التي تثبط الانضمام إلى النقابات. وغالباً ما يأتي السعي لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة في هذه المستودعات على حساب راحة العمال وحقوقهم، مما يثير المخاوف بشأن الاستغلال في نموذج التسليم السريع الذي يدعم نجاح التجارة الإلكترونية.

وفي سعيها لتحقيق الكفاءة من حيث التكلفة، قد تختار الشركات المدعومة برأس المال المُغَامِر الاستعانة بمصادر خارجية للعمالة (Outsourcing)، وخاصة في مجالات التكنولوجيا وخدمة العملاء، إلى مناطق حيث تكاليف العمالة أقل. وفي حين أن هذه الممارسة يمكن أن تؤدي إلى توفير التكاليف للشركات، فإنها غالبا ما تنقل الوظائف إلى بلدان قد تكون فيها قوانين العمل أقل صرامة، مما يؤدي إلى ظروف عمل استغلالية وأجور منخفضة والافتقار إلى الحماية القانونية للعمال.

من جانب آخر، يُشكِّل الارتفاع الكبير في الاستثمار في تقنيات التشغيل الآلي والروبوتات والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي من بين التطورات التي تعد بتبسيط العمليات وخفض التكاليف، غالبًا من خلال أداء المهام التي كانت تنفذها الأيدي البشرية سابقًا.

إن دفع رأس المال المُغَامِر نحو الابتكار التكنولوجي لا يؤدي إلى تحسين الصناعات القائمة فحسب، بل قد يقلبها رأسا على عقب تمامًا، ما يؤدي إلى تعطيل قطاعات التوظيف التقليدية وإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية. ومع ظهور التكنولوجيات الجديدة ونضوجها، فإنها يمكن أن تجعل مهن بِرُمَّتها عفا عليها الزمن. ومن الممكن أن تتجاوز وتيرة هذا التغيير -الذي يتسارع عادة عن طريق رأس المال المُغَامِر، المعدَّل الذي يتم فيه خلق فرص عمل جديدة- ما يترك فراغًا حيث كانت هناك مسارات وظيفية قابلة للحياة ذات يوم.

ولا يصاحب هذا الاضطراب دائمًا ظهور وظائف جديدة لتحل محل الوظائف المفقودة. حتى عندما تنشأ أدوار جديدة، فإنها قد تتطلب مجموعة مختلفة من المهارات أو موجودة في مناطق مختلفة أو أقل عددًا من المناصب التي تحل محلها. والنتيجة هي عدم التطابق بين المعروض من العمالة والطلب على خدماتها، مع ما يترتب على ذلك من آثار عميقة على العمال ومجتمعاتهم.

4. مركزة رأس المال
رأس المال المُغَامِر يكون تركيزه على الشركات الناشئة ذات إستراتيجية خروج واضحة، مثل الاستحواذ من قبل شركة أكبر أو الاكتتاب العام الأولي، التي يمكن أن تُوفِّر عائدًا مرتفعًا على الاستثمار. وهذا التركيز التام على الخروج يؤدي إلى تفضيل الاستثمار في الشركات القادرة على الاندماج في -أو تعزيز- قيمة الكيانات القائمة ذات رأس المال الضخم وبالتالي المساهمة في مركزة -الابتكار و- رأس المال داخل الشركات الكبيرة.

وبنظرة سريعة على استحواذات الشركات الكبرى على شركات ناشئة أصغر، يُمكننا أن ملاحظة مركزة الابتكار ورأس المال في الشركات الكبرى، على سبيل المثال لا الحصر:

ميتا (فيسبوك سابقًا) استحوذت على تطبيق واتسآب، والذي كان يُعدّ المنافس الأقوى لخدمة المحادثات على فيسبوك، مقابل 19 مليار دولار. استحوذت ميتا أيضًا على انستجرام مقابل مليار دولار عندما بدأ الأخير في الاستحواذ على قاعدة مستخدمين أصغر سنًا وهي شريحة كانت ميتا حريصًا على الحفاظ على موطئ قدمه فيها.

جوجل تُعدّ أكثر الشركات التي تقضي على المنافسين وتتوسع عبر عمليات الاستحواذ، مثلا استحوذت على شركة دوبل كليك (DoubleClick ) مقابل 3.1 مليار دولار أمريكي وشركة أدموب ( AdMob) مقابل 750 مليون دولار، وهما شركتيي إعلانات على الإنترنت كانتا منافستين لخدمات جوجل الإعلانية. أيضًا استحوذت شركة جوجل على موقع يوتيوب مقابل 1.65 مليار دولار أمريكي في عام 2006، أي بعد عام ونصف فقط من إنشائه. وعندما قررت جوجل دخول قطاع الأجهزة القابلة للارتداء، استحوذت على شركة فيتبت (Fitbit) استحوذت عليها Google مقابل 2.1 مليار دولار في عام 2021، وكانت الشركة واحدة من الشركات الرائدة في سوق الأجهزة القابلة للارتداء قبل الاستحواذ.

مايكروسوفت استحوذت على لينكدن مقابل 26.2 مليار دولار بعد أن فشلت في منافسة موجة الشبكات الاجتماعية (فيسبوك وتويتر).

أما أمازون فقد استحوذت على سوق.كوم عندما قررت الدخول لسوق التجارة الالكترونية في منطقة الشرق الأوسط. كما استحوذت على موقع زابوس (Zappos) المتخصص في بيع الأحذية والملابس عبر الإنترنت بمبلغ يقدر بحوالي 1.2 مليار دولار. واستحوذت أيضًا على شركة الصيدلة عبر الإنترنت بيلباك ( PillPack) بمبلغ يقدر بحوالي 753 مليون دولار، مما أتاح لها دخول سوق الرعاية الصحية والأدوية.

l شركة أوبر للنقل التشاركي فقد استحوذت على شركة كريم في صفقة كبيرة بقيمة 3.1 مليار دولار لقتل منافستها في الشرق الأوسط وقد سمح ذلك لأوبر بالتوسع بشكل ضخم للغاية وترسيخ وجودها في أسواق المنطقة.

5. تركيز رأس المال
وتُظهر أنماط تمويل رأس المال المُغَامِر تركيز الثروة كسمة جوهرية ومُتأصِّلة، فيبدو ذلك واضحًا في المعايير التي يستخدمها أصحاب رأس المال المُغَامِر لاختيار الشركات الناشئة التي سيُضَخ فيها تمويل، فهي معايير تعكس وتُعزِّز الهياكل الطبقية القائمة وتركيز رأس المال. وقد نُشير إلى أهم المعايير في النقاط التالية:

– التحيُّز تجاه رواد الأعمال المثبتين: غالبًا ما تُفضِّل شركات رأس المال المُغَامِر الاستثمار في رواد الأعمال الذين يتمتعون بسابق خروج ناجح، أي الأفراد الذين جمعوا فعلًا رأس المال في مراحل سابقة ولديهم الوسائل اللازمة لتحمل المخاطر، وبذلك إدامة دورة تراكم الثروة. وقد يُستبعَد -وهذا شائع- أولئك الذين ليس لديهم نجاح سابق أو رأس مال اجتماعي لإظهار إمكاناتهم، بغض النظر عن الإمكانات الابتكارية لأفكارهم.

– التعليم والطبقة الاجتماعية: إن المستوى العالي من التعليم، ولا سيما من المؤسسات المرموقة، غالبًا ما يُعدّ مؤشرًا على إمكانات المؤسِّس. ويتجاهل هذا التفضيل العوائق التي تحول دون الوصول إلى هذا التعليم، بما في ذلك التكلفة المرتفعة والعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تحدّ من الفرص المتاحة للكثيرين. وهذا يؤدي إلى إدامة نظام يحصل فيه الأثرياء فعلًا -الذين استطاعوا تحمُّل تكاليف التعليم الجيد- على التمويل، وبالتالي تعزيز الفجوة الطبقية.

– متطلبات رأس المال الأولية: يميل أصحاب رأس المال المُغَامِر إلى الاستثمار في الشركات الناشئة التي طوَّرت الحد الأدنى من المنتجات القابلة للتطبيق (MVP) أو التي تتمتع بمستوى معين من التحقُّق من صحة الأعمال. ولأن الوصول إلى ذلك عادة ما يتطلب رأس مال أولي؛ فهذا يعني أن المؤسِّس لديه إما ثروة شخصية أو إمكانية الوصول إلى الأموال. يستثني هذا المعيار أولئك الذين ينتمون إلى خلفيات أقل ثراءً والذين قد يكون لديهم أفكار تجارية مقنعة ولكنهم يفتقرون إلى الموارد اللازمة لتطويرها إلى المرحلة التي تجذب فيها اهتمام رأس المال المُغَامِر.

– الشبكات والاتصالات الاجتماعية: من المرجح أن يتمكَّن رواد الأعمال الذين لديهم اتصالات وعلاقات في المجتمع الرأسمالي، غالبًا من خلال الروابط العائلية أو الخلفية التعليمية أو المساعي الريادية السابقة، من الوصول إلى رأس المال المُغَامِر.

– التكنولوجيا أو براءات الاختراع مُسجَّلة الملكية: عادة ما يبحث أصحاب رأس المال المُغَامِر عن شركات تمتلك تكنولوجيا خاصة أو براءات اختراع أو غيرها من حقوق الملكية الفكرية التي يمكن أن تخلق حواجز أمام الدخول وتفرض هيمنتها على السوق. وهذا التركيز يمنح امتيازات للشركات القادرة على تحمل التكاليف القانونية لتأمين مثل هذه الحماية، وهو ما يعني في كثير من الأحيان أنها تمتلك بالفعل موارد كبيرة.

– استغلال الملاذات الضريبية: قد يُشجِّع أصحاب رؤوس الأموال المغامرة أو يسهلون تسجيل الشركات الناشئة في بلدان الملاذ الضريبي، وهي ممارسة شائعة للغاية. تسمح هذه الممارسة لكل من شركات رأس المال المُغَامِر والشركات التي تستثمر فيها بتقليل الالتزامات الضريبية، وبالتالي زيادة الأرباح والعوائد على الاستثمار. وهذا لا يساهم فقط في تراكم الثروة عن طريق تقليل المبلغ الذي يتم إعادة توزيعه من خلال الضرائب، ولكنه يؤدي أيضًا إلى إدامة عدم المساواة العالمية من خلال استغلال الأطر التنظيمية لمختلف البلدان.

6. الاحتكار
وكنتيجة لمركزة وتركيز رأس المال، فإن رأس المال المُغامِر -بطبيعته- يؤدي إلى الاحتكار عبر ممارساته الاقتصادية التي يمكن الإشارة إلى أهمها في النقاط التالية:

– إستراتيجيات الخروج والاستحواذات: واحدة من الخصائص المُميِّزة لرأس المال المُغَامِر هي التركيز على إستراتيجيات الخروج. يستثمر الممولون في الشركات الناشئة بالأمل في تحقيق عائد مالي كبير من خلال بيع حصتهم إما في طرح عام أولي أو عبر استحواذ من قبل شركة أكبر. هذا النمط من التفكير يشجع الشركات الناشئة على توجيه جهودها بما يتماشى مع مصالح الشركات الكبرى، مما يؤدي غالبًا إلى استحواذ الأخيرة عليها. النتيجة هي تراكم الابتكارات والأصول في أيدي الشركات الاحتكارية التي تتوسع بشكل مستمر وتقلل من الديناميكية التنافسية في السوق.

– تركز الأسواق والبقاء للأكبر: مع الوقت، يؤدي تركُّز الابتكار والقدرات التنافسية في شركات قليلة وكبيرة إلى تقليل الفرص أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة للتنافس. يتمتع اللاعبون الاحتكاريون بموارد مالية هائلة وقدرات تسويقية وتوزيعية وسيطرة على سلاسل التوريد، وكل ذلك يجعل من الصعب على الشركات الجديدة الدخول إلى السوق.

– ضعف الحواجز أمام الدخول: الشركات التي تنجح في جذب استثمارات ضخمة من رأس المال المُغَامِر تصبح قادرة على إنشاء حواجز دخول تعوق المنافسين الجدد. يمكن أن يشمل ذلك تطوير براءات اختراع حصرية والسيطرة على سلاسل الإمداد الرئيسية وإبرام صفقات حصرية مع الموردين أو العملاء.

– الاستحواذات الإستراتيجية: كثيرًا ما يستخدم رأس المال المُغَامِر لتمويل الاستحواذات الإستراتيجية. الشركات الكبيرة والمهيمنة يمكن أن تستخدم الأموال لشراء منافسين محتملين أو شركات ناشئة تمتلك تقنيات مبتكرة قبل أن تتمكن من تحدّي الوضع الراهن.
– توجيه الابتكار والحد من التنوع بفعل رأس المال المُغَامِر: غالبًا ما تسعى الشركات الناشئة إلى تحقيق التطور والابتكار بطرق تلفت انتباه المستثمرين الجريئين، مما قد يؤدي إلى التركيز المفرط على ميادين معينة يُنظر إليها على أنها جذابة للغاية لهؤلاء المستثمرين. هذا التوجه المحدد قد يقيد تنوع الابتكار في السوق برمته، حيث تُهمل مناطق أخرى قد تكون ذات أهمية أو إمكانات كبيرة للمجتمع.

7. التطور المُركَّب في رأس المال المُغَامِر
يُركِّز مفهوم التطور المركب (Combined Development) على الكيفية التي يُمكِن بها للدول “المتخلفة” أو النامية أن تتبنى تقنيات وأنظمة إنتاج متطورة دون المرور بمراحل التطور الاقتصادي التي مرت بها الدول الصناعية المتقدمة. ويمكننا استخدام هذا المفهوم لتحليل كيف يُمكِن لرأس المال المُغَامِر أن يُسهِّل قفزات تنموية غير متجانسة في الأسواق الناشئة.

في دولة نامية حيث النفاذ إلى البنوك التقليدية محدود، يُمكن لرأس المال المُغَامِر أن يدعم شركات التكنولوجيا المالية التي تقدم خدمات مالية رقمية متطورة عبر الهواتف الذكية. هذا يسمح للسكان بإجراء معاملات مالية، مثل التحويلات المالية والادخار والقروض، دون الحاجة إلى بنية تحتية مصرفية فعلية، أو حتى دون الحاجة إلى امتلاك حساب بنكي تقليدي.

مثال على ذلك هو نجاح خدمات مثل M-Pesa في كينيا أو فودافون كاش في مصر، والتي تُمكّن المستخدمين من إيداع وسحب ونقل الأموال بسهولة عبر الهاتف. هذه الخدمة، التي تم تمويل بدايتها من خلال استثمارات من رأس المال المُغَامِر، قد قفزت فوق الحاجة إلى البنية التحتية المصرفية “المتأخرة” ومكّنت الاقتصاد المحلي من الانتقال مباشرة إلى نظام مالي رقمي متقدم.

وكمثال آخر، يمكننا أن نلاحظ -في مصر على سبيل المثال- انتشار الهواتف الذكية التي يمكنها العمل على شبكات الجيل الخامس، ومزوّدة ببطاقة esim في حين أنه لا يوجد في مصر (حتى كتابة هذه الورقة) شبكات تعتمد على تقنية الجيل الخامس ولا شركات تُقدّم خدمة بطاقات esim، حتى أنه ما تزال بعض المناطق خارج العاصمة لا يتوفّر بها الجيل الرابع وما تزال اتصالاتها المحمولة تعتمد على الجيل الثالث.

هذا النوع من التطور المُركَّب يؤدي إلى تباين كبير في مستويات التطور على المستوى العالمي والوطني. تستطيع بعض الدول القفز فوق مراحل تاريخية كاملة في سلسلة التطور الصناعي والتكنولوجي بفضل نقل التكنولوجيا والممارسات الرأسمالية، ومع ذلك، هذا التطور يتم بمعزل عن البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية اللازمة لدعمه على المدى الطويل.

إن عدم وجود تطور تدريجي يعني أن هناك فجوات في المهارات وضعف في الإدارة، فتُخلَق أنواعًا جديدة من الاعتمادية. فبينما تتبنى الدول النامية تكنولوجيات متقدمة، تصبح معتمدة على الشركات متعددة الجنسيات التي توفر هذه التكنولوجيات، وعلى الخبرات الأجنبية لتشغيلها وصيانتها، مما يؤدي إلى نوع من الاستعمار التكنولوجي.

8. التركيز الجغرافي والتفضيلات القطاعية
يُعدّ رأس المال المُغَامِر مُحركًا قويًا لتوزيع الدخل والثروة بين الأفراد والمجتمعات، فعندما تُركِّز الاستثمارات في مناطق جغرافية مُحدَّدة أو قطاعات اقتصادية بعينها؛ يُعزِّز ذلك النجاح الاقتصادي لقلة ويُهمِّش آخرين. هذا التركيز يُولِّد “جزر ثروة” حيث تركيز الأعمال الناجحة والابتكارات والثروة في مناطق ولطبقات وكيانات بعينها وتجاهُل الأخرين.

استثمارات رأس المال المُغامِر تميل إلى التركُّز في مناطق معينة تتمتع بمزايا مسبقة، مثل البنية التحتية المطورة والتشريعات المواتية. هذه التركزات الاستثمارية تؤدي إلى تعميق التنمية غير المتكافئة، حيث تتطور بعض المناطق بسرعة بينما تظل مناطق أخرى متخلفة.

الثروة الذي تُحقِّقها هذه الاستثمارات يجتذب المزيد من الاستثمارات المماثلة، ما يخلق حلقة تراكمية تعمل على تركيز الثروة والقوة الاقتصادية في أماكن مُحدَّدة، ويؤدي كذلك إلى هجرة المواهب والعمال المهرة إلى المناطق المزدهرة، ما يترك المناطق الأخرى دون القدرات اللازمة للتطور ويزيد من الفجوات الاجتماعية والاقتصادية.

تتركَّز صناديق رأس المال المُغَامِر بشكل كبير في دول ومدن محُدَّدة، فنجد الغالبية العظمى من رأس المال المُغَامِر تأتي من المراكز المالية في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ودول أوروبية مثل إنجلترا وألمانيا وفرنسا، ومن دول أسيوية مثل الصين وسنغافورة واليابان.

إن تدفق رأس المال إلى شركات وادي السليكون والدول الأوروبية والصين -كأكثر الأماكن بها نشاط لرأس المال المُغَامِر- لم يُغذِّي الابتكار داخل مناطق مُحدَّدة فحسب، بل أدى أيضًا إلى إنشاء نظام بيئي تكنولوجي حدَّد الوتيرة التي يجب أن تعمل بها الأنظمة البيئية للشركات الناشئة على مستوى العالم. وقد أدى ذلك إلى تطوُّر غير متكافئ، حيث تصبح مناطق معينة مراكز للابتكار وصناعة التكنولوجيا الفائقة، وتجذب المواهب وتولد نمواً اقتصادياً كبيراً، في حين تتخلف مناطق أخرى عن الركب.

على الجانب الآخر، فإن رأس المال المُغامِر يتحيّز نحو تمويل القطاعات ذات الإمكانيات النمو الكبيرة والعائدات المرجوة العالية. تتضمن هذه القطاعات تقنيات الرعاية الصحية المتقدمة وتطوير البرمجيات وحلول التكنولوجيا المالية (الفينتك) وأنظمة النقل الذكية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

هذا النمط من الاستثمار يؤدي إلى تدفقات مالية كبيرة نحو القطاعات المستهدفة، ويُسرِّع وتيرة نموها ويمكِّنها من جذب العقول اللامعة والموارد الضخمة. في حين أن هناك قطاعات أخرى تُقدِّم خدمات ومنتجات ذات قيمة اجتماعية هامة لكنها تفتقر إلى الإغراء المالي الذي يُفضِّله المستثمرون المُغامِرون، ما يؤدي إلى نقص في الاستثمارات اللازمة لتطويرها. هذا النقص يؤدي إلى نمو بطيء في هذه القطاعات، وبالتالي يُفاقم من عدم التكافؤ في التقدم الاقتصادي والتكنولوجي بين مختلف المجالات.

لزيادة فهم هذا الواقع، يمكن أن نشير إلى أن الابتكارات الناتجة في القطاعات الممولة جيدًا تخلق أحيانًا تقنيات ومنتجات جديدة قد تُحدِث تغييرات جذرية في أساليب الحياة، مثل السيارات ذاتية القيادة التي تُغيِّر مفهوم النقل. وفي الوقت نفسه، قد تبقى القطاعات الأساسية مثل التعليم والبنية التحتية والرعاية الصحية الأساسية متخلفة نسبيًا في الابتكار بسبب نقص الاستثمارات الموجهة إليها.

9. التطور المتسارع والاختلال
يمتلك رأس المال المُغَامِر القوة لتغيير ملامح الصناعات بسرعة فائقة، فيضُخ أموال ضخمة في قطاعات مُحدَّدة، مما يعطي دفعة قوية للبحث والتطوير ويساعد على توسيع نطاق الأعمال بشكل يفوق السرعة التقليدية. لا يأتي هذا التطور دون تكلفة. فهو يتسبب في اختلال، حيث أن الطرق التقليدية للإنتاج والتجارة تتقادم بسرعة.

الصناعات القديمة تجد نفسها غير قادرة على الصمود أمام وتيرة التغيير السريعة وتتعرض للتعطيل أو حتى الزوال، ما يؤدي إلى فقدان الوظائف وتراجع الأعمال التي كانت قائمة لعقود. ومع هذا التحول الاقتصادي، يبرز جيل جديد من رواد الأعمال الذين ينجحون في تسخير هذه الديناميكية الجديدة لصالحهم، ما يؤسس لطبقة جديدة من القادة في السوق. كما تتغير متطلبات سوق العمل، حيث تصبح المهارات التقليدية أقل طلبًا في حين ترتفع قيمة المهارات الجديدة التي تواكب التقدم التكنولوجي والنماذج الاقتصادية المبتكرة.

واحدة من القصص الشهيرة لشركة انهارت بسبب عدم قدرتها على مواكبة الشركات الناشئة (تقادم الصناعات) الممولة بضخامة هي قصة شركة كوداك التي كانت رائدة في صناعة التصوير الفوتوغرافي لأكثر من قرن. لقد وجدت كوداك نفسها غير قادرة على التكيف مع العصر الرقمي الذي دخلت فيه شركات الهواتف الذكية وتطبيقات مثل انستجرام. على الرغم من أن شركات الهواتف الذكية والتطبيقات لم تكن تبيع كاميرات أو أفلامًا، إلا أنها استحوذت على الجزء الأكبر من سوق التصوير الفوتوغرافي من خلال تمكين المستخدمين من التقاط ومشاركة الصور بسهولة وبشكل فوري، ما أدى بكودك بإعلان إفلاسها، في حين بيعت شركة انستجرام لفيسبوك مقابل مليار دولار.

أما شركة بلوكباستر عملاق إيجار الأفلام والألعاب الفيديو، فقد فشلت في التكيُّف مع التغيرات في السوق، ومع ظهور خدمات البث الرقمي مثل نتفلكيس، التي بدأت كخدمة إيجار أقراص DVD عبر البريد، ولكنها سريعًا ما تحولت إلى البث الرقمي، بينما استمرت بلوكباستر في التركيز على متاجرها المادية. لم تتمكن بلوكباستر من التنافس مع نموذج الاشتراك المريح الذي قدمته نتفلكيس، وأعلنت عن إفلاسها في عام 2010.

لنأخذ مثال آخر، الشركات التي تعمل في مجال في مجال التجارة الإلكترونية، وتُقدِّم منصات تربط بين موردي السلع الاستهلاكية وتجار التجزئة الصغار أو التي تربط بين تجار التجزئة والمستهلكين، وتستخدم هذه الشركة تقنيات معتمدة على البيانات وسلاسل التوريد الحديثة لإعادة هندسة وبناء السوق، وهو نشاط رائج للغاية في الكثير من دول العالم. هذه الشركات لا تُقدِّم فقط خدمة الربط بين أطراف العملية التجارية بل في الأغلب تتوسع أيضًا لتقدم خدمات تكنولوجيا مالية للبائعين والمستهلكين، مثل دفع الفواتير والبيع الآجل والتقسيط.

هذا يخلق نوع من السيطرة على أطراف العملية (البائعين والموردين والمستهلكين) الذين يعتمدون بشكل كبير على المنصة، حيث تصبح خياراتهم محدودة ويصعب عليهم العمل بشكل مستقل عن المنصَّة. هذه المنصَّات أيضًا يُمكنها إجراء تغييرات في سلاسل التوريد والعمليات التي تجلبها، وتؤدي إلى إعادة هيكلة العمليات الداخلية للموردين والتجار وتُنشئ هذه المنصَّات حواجز دخول أمام الشركات والبائعين الجدد الراغبين في المنافسة، بسبب الحجم الكبير الذي تمتلكه والعلاقات التي تكونت في شبكتها.
وكما هو اضح، هذه النوعية من الشركات الناشئة تنافس الموردين وتجار الجملة وتجار التجزئة التقليديين، ويتوفَّر لها تمويلًا يُمكَّنها من السيطرة تمامًا على السوق، فتحل شركة ناشئة واحدة محل مئات التجار التقليديين.

أما نوكيا التي كانت في وقت من الأوقات هي الشركة الرائدة في سوق الهواتف المحمولة. ومع ظهور الهواتف الذكية ونُظُم التشغيل مثل آي أو إس من أبل وأندرويد من جوجل، فشلت نوكيا في الابتكار بالسرعة الكافية لمواكبة هذه التغييرات. اعتمدت نوكيا على نظام التشغيل سيمبيان الذي أصبح قديمًا وغير قادر على منافسة الأنظمة الحديثة. بحلول الوقت الذي اعتمدت فيه نوكيا على نظام التشغيل ويندوز فون كإستراتيجية للتعافي، كان الوقت متأخرًا جدًا، وقد خسرت بالفعل حصتها السوقية الكبيرة. وفي النهاية، تم بيع قسم الأجهزة المحمولة في نوكيا إلى مايكروسوفت.

10. رأس المال المُغَامِر: الأداة معاصرة للرأسمالية الإمبريالية
إن رأس المال المُغَامِر هو تجسيد معاصر للإمبريالية. هذه المرحلة المتقدِّمة من الرأسمالية تتجلى بوضوح في عمليات رأس المال المُغَامِر الذي يحشد مبالغ هائلة للاستثمار، ليس بهدف الربح فقط، ولكن أيضًا توسيع النفوذ الرأسمالي عبر العالم.

تمثِّل الإمبريالية انتقال الرأسمالية إلى مرحلة يتجاوز فيها السعي لتحقيق الربح عبر الحدود الوطنية، مدفوعًا بضرورة استيعاب أسواق وأقاليم جديدة تحت سيطرتها. وينعكس هذا في أنشطة صناديق رأس المال المُغَامِر التي تضخ التمويل إلى الشركات الناشئة بالكم الذي يعطيها القدرة على تعطيل الأسواق القائمة و إنشاء أسواق جديدة وتأكيد نفوذها وتعزيز الظروف المفضية إلى خلق الاحتكارات.

إن تمويلات رأس المال المُغَامِر تصبح وسيلة لنشر الهيمنة الاقتصادية، مع تحوُّل الشركات الناشئة الناجحة اليوم إلى احتكارات الغد. وتؤكد هذه الديناميكية تطوُّر رأس المال من التنافس إلى الاحتكار إلى الإمبريالية، كما تنبأ المنظّرون الماركسيون. فيجسِّد قطاع رأس المال المُغَامِر تركيز القوة الاقتصادية المميزة للرأسمالية الاحتكارية، قادرة على تشكيل مسارات السوق والتأثير على الابتكار التكنولوجي، وعلى القرارات السياسية لصالحهم.

إن نموذج رأس المال المُغَامِر لا يعكس فقط الاتجاه الإمبريالي نحو تعميق الانقسامات الطبقية على نطاق عالمي، بل يساهم بشكل فعَّال في ذلك، وهو ما يردد صدى النقد الماركسي للاستغلال المُتأصِّل في الرأسمالية.

في الإطار العالمي للإمبريالية، يعمل رأس المال المُغَامِر كظاهرة عابرة للحدود الوطنية، فيدفع البحث عن الربحية إلى الاستثمار في المناطق حيث العمالة مُقوَّمة بأقل من قيمتها وحيث التنظيم متساهل وحيث يمكن استخراج فائض القيمة بأكبر قدر من الكفاءة؛ وهذا يخلق سيناريو يصبح فيه العمال -بغض النظر عن موقعهم- خاضعين لمصالح رأسمالية عالميًا.

كما يواجه العمال في الدول التي ليست في قلب الإمبريالية الاضطهاد المضاعف، الذي غالبًا ما يكون نتيجة للاستعمار التاريخي أو الديناميكيات شبه الاستعمارية الحديثة. في هذه المناطق، تعاني القوى العاملة المحلية من الاضطهاد من جبهتين: البرجوازية المحلية، التي تكون متواطئة في تسهيل مصالح رأس المال الإمبريالي لتحقيق مكاسبها، والرأسماليين المغامرين الدوليين الذين ينظرون إلى هذه المناطق على أنها أرض خصبة لاستخراج فائض القيمة.

في هذا السياق، يظهر رأس المال المُغَامِر كمشارك نشط للغاية في نظام يعمل على إدامة وتفاقم استغلال العمالة في جميع أنحاء العالم. يؤكد هذا الوضع المستمر وجهة النظر القائلة بأن النضال ضد الإمبريالية يجب أن يكون دوليًا بطبيعته، مع الاعتراف بالترابط بين محنة العمال عبر الحدود الوطنية.

لقد سعت الإمبريالية دائمًا، إلى السيطرة على الأسواق والموارد العالمية. ويعمل رأس المال المُغَامِر بمثابة حارس مُتقدِّم في هذا المسعى، ما يُمكِّن الدول الرأسمالية من توسيع نطاق سيطرتها من خلال المؤسسات التجارية. ومن خلال تمويل الشركات ذات التطلعات العالمية، يشارك أصحاب رأس المال المُغَامِر في إستراتيجية أوسع لا تقتصر على تأمين العائدات المالية فحسب، بل أيضا الوصول إلى الموارد وقواعد المستهلكين التي تعتبر ضرورية للحفاظ على الهيمنة الرأسمالية وتوسيعها.

إن الاستغلال التي تتميز بها الإمبريالية لا تتطلب فقط هياكل الحكم الاستعمارية التقليدية في الماضي؛ بل يمكن أن تتجلى من خلال الآليات الاقتصادية التي تكون قسرية بنفس القدر. فتؤدي استثمارات رأس المال المُغَامِر إلى أنماط اقتصادية تعكس الممارسات الاستخراجية للاستعمار، حيث يكون المستفيدون الأساسيون من الثروة المحلية والعمالة هم الرأسماليون من دول مختلفة.

خاتمة
إن الشركات التي تحظى بدعم من رأس المال المُغَامِر يمكن أن تحقق ثروات طائلة لمجموعة محدودة من الأفراد، بما يؤدي إلى تفاقم عدم المساواة في الثروة، داخل الدولة الواحدة وعلى الصعيد العالمي. والشركات الناشئة الناجحة بإمكانها أن تهيمن على السوق بسرعة، ما يؤدي إلى تقليل حدة المنافسة تكوين احتكارات.

من الناحية الإقليمية، تبرز مشكلة الفوارق الاقتصادية بين المناطق المختلفة، حيث يميل رأس المال المُغَامِر إلى التمركز في مناطق معينة، ما يؤدي إلى إهمال مناطق أخرى قد تعاني من صعوبات في تطوير بنيتها التحتية للأعمال الناشئة وجذب المواهب. وتتفاقم المشكلة مع ظاهرة هجرة الأدمغة، حيث يتوجه الأفراد الموهوبون نحو المناطق ذات الفرص الأكبر، تاركين وراءهم مجتمعاتهم وبلدانهم الأصلية في حالة من الحرمان من القوى العاملة الماهرة.

على الصعيد القطاعي، يُلاحظ وجود اختلال قد يتمثل في الإفراط في الاستثمار في قطاعات معينة، وهو ما يمكن أن يقود إلى تشكيل فقاعات اقتصادية نتيجة التقييمات المبالغ فيها للشركات. وفي المقابل، تعاني القطاعات التي تُعتبر أقل جاذبية من نقص في الاستثمارات، ما يؤدي إلى تباطؤ نموها.

أما المخاوف الاجتماعية والبيئية فهي تتمثل في إهمال التأثير الاجتماعي من قبل الشركات التي تعطي الأولوية للعوائد المالية، وبالتالي تجاهل الشركات الناشئة التي تهدف إلى حل مشاكل اجتماعية أو بيئية. كما تساهم الشركات الناشئة في زيادة استهلاك الموارد وتوليد النفايات الإلكترونية، خاصة مع قصر دورة عمر الأجهزة والتكنولوجيا في عصر الابتكار السريع.

وفي الآونة الأخيرة، أصبح التأثير الذي يمكن أن يخلفه التركيز المفرط على أنواع معينة من الابتكارات في عالم رأس المال المُغَامِر موضوع نقاش واسع. فهذا النهج يؤدي إلى إهمال أشكال أخرى من الابتكار التي قد تكون مفيدة بشكل كبير للمجتمع. عندما يُعطى الأولوية فقط للابتكارات التي يمكن توسيع نطاقها بسهولة وتحقيق عائدات مرتفعة، يتم تجاهل الابتكارات الأخرى التي لا تتناسب مع نموذج الاستثمار السائد، والتي قد تحمل في طياتها فوائد مجتمعية هائلة.

[1] رأس المال المُغَامِر (Venture Capital) هو تمويل يُقدَّم لشركات ناشئة واعدة ولديها إمكانيات نمو عالية، لكنها في المقابل تحمل مخاطر أكبر من المستويات التقليدية للاستثمار. يأتي هذا التمويل عادةً من مستثمرين مختصين يُعرفون برؤوس الأموال المخاطرة، والتي قد تكون شركات متخصصة في هذا المجال، أو أفراد ذوي ثروات كبيرة، أو مجموعات استثمارية أخرى.

يهدف المستثمرون في رأس المال المُغَامِر إلى الحصول على عائد مالي كبير من خلال دعم الشركات في مراحلها المبكرة، حيث يمكن لنجاح هذه الشركات أن يُحقق لهم عائدات كبيرة على استثماراتهم. في المقابل، هم يتحملون المخاطر المرتبطة بفشل هذه الشركات، الأمر الذي قد يؤدي إلى خسارة رأس المال المستثمر بالكامل.

[2] يفشل ما يصل إلى 90% من الشركات الناشئة. في السنة الأولى، يبلغ متوسط معدل الفشل حوالي 10%. وفي السنوات الثانية إلى الخامسة، ستفشل نسبة مذهلة تبلغ 70٪ من الشركات الناشئة. المصدر: Startup Failure Rate Statistics (2024)، موقع Exploding Topics، تاريخ النشر: 2 نوفمبر 2023 https://explodingtopics.com/blog/startup-failure-stats

[3] What Is a Venture Capitalist? موقع: Startup Program، الرابط: https://startupprogram.com/what-is-a-venture-capitalist
[4] أشباه الموصلات هي مواد لها خصائص توصيل كهربائي تقع بين الموصلات والعوازل، حيث تتميز بقدرتها على التحكم في تدفق الإلكترونات من خلالها. الأهمية الرئيسية لأشباه الموصلات تكمن في دورها الأساسي في صناعة الإلكترونيات، حيث تُستخدم بشكل واسع في تصنيع الدوائر الإلكترونية مثل الثنائيات الضوئية (LEDs) والترانزستورات والمعالجات الدقيقة. هذه الأجهزة تُعد اللبنات الأساسية لمجموعة هائلة من الأجهزة الإلكترونية التي نستخدمها يوميًا من الهواتف الذكية إلى الأجهزة الطبية وأنظمة الحواسيب، مما يجعل أشباه الموصلات حجر الزاوية في الثورة التكنولوجية والرقمية الحديثة.

[5] فقاعة الدوت كوم، التي حدثت بين أواخر التسعينيات وأوائل العام 2000، كانت فترة من التكهنات المفرطة في أسواق الأسهم، مدفوعة بشكل كبير بنمو شركات الإنترنت الناشئة. خلال هذا الوقت، شهدت شركات الإنترنت زيادة كبيرة في قيمة أسهمها مدفوعة بالحماسة تجاه الإمكانات الكبيرة للتجارة الإلكترونية والأعمال عبر الإنترنت.

المستثمرون، متحمسون للثورة التكنولوجية وإمكانيات النمو الهائل، تجاهلوا التقييمات التقليدية للشركات مثل الأرباح والتدفقات النقدية، وبدلًا من ذلك ركزوا على النمو المحتمل ومقاييس الأداء الأخرى مثل عدد الزوار ومعدلات نمو المبيعات. شركات كثيرة حصلت على تقييمات مرتفعة جدًا دون أن تحقق أرباحًا فعلية أو حتى تمتلك نماذج أعمال مستدامة.

مع تزايد الشكوك حول قدرة هذه الشركات على تحقيق الأرباح المتوقعة، بدأت الفقاعة في الانفجار في أوائل العام 2000. سوق الأسهم تعرض لانهيار حاد حيث بدأ المستثمرون في بيع أسهمهم في شركات الإنترنت، مما أدى إلى انخفاض كبير في قيمتها. الانهيار أدى إلى خسائر هائلة في الثروة وإفلاس العديد من شركات الإنترنت.

[6] المستثمرون الملائكيون (Angel Investors) هم أفراد ذوو ثروة كبيرة يقدمون رأس مال للشركات الناشئة في مراحلها المبكرة مقابل ملكية أسهم في الشركة أو لحقوق تصويت. هؤلاء المستثمرون عادة ما يكونون رجال أعمال حاليين أو متقاعدين جمعوا خبرة كبيرة في مجالات أعمال معينة، ويبحثون عن فرص لاستثمار أموالهم في مشاريع واعدة يرون فيها إمكانات نمو وربح كبيرة.

المستثمرون الملائكيون غالباً ما يكونون من أول الجهات التي تستثمر في الشركات الناشئة، ولهذا يتحملون مخاطر عالية نظرًا لأن نسبة كبيرة من الشركات الناشئة لا تنجح. ومع ذلك، الاستثمار الملائكي يمكن أن يكون مربحاً جداً إذا كانت الشركة الناشئة ناجحة، حيث يمكن أن يؤدي إلى عائدات كبيرة على الاستثمار.

[7] الجولات الاستثمارية هي عبارة عن مراحل تمويلية يتم من خلالها جمع رأس المال لدعم نمو وتطور الشركات الناشئة. كل جولة تمويلية تعبر عن مستوى تطور معين في الشركة، وتتميز بأهداف محددة لاستخدام الأموال، مثل تطوير المنتجات وتوسيع السوق أو تحسين البُنى التحتية. في كل جولة، تجذب الشركة أنواعًا مختلفة من المستثمرين بناءً على مخاطر وفرص النمو المرتبطة بتلك المرحلة من التطور.

[8] في الشركات الناشئة هو مقياس يستخدم لتقييم كفاءة الاستثمار أو لمقارنة كفاءة عدد من الاستثمارات المختلفة. في سياق الشركات الناشئة، يشير العائد على الاستثمار إلى المال الذي يتوقع المستثمرون كسبه مقابل الأموال التي استثمروها في الشركة.

يُحسب العائد على الاستثمار عادةً بالنسبة المئوية ويمكن حسابه بالمعادلة التالية:
ROI=(الربح الصافي / التكلفة الإجمالية للاستثمار) * 100
في سوق الشركات الناشئة، يمكن أن يكون العائد على الاستثمار مرتفعًا جدًا نظرًا للإمكانات الكبيرة لنمو هذه الشركات، لكنه يأتي مع مخاطر عالية. فقد تفشل الشركة الناشئة، مما يؤدي إلى خسارة المستثمر لكامل استثماره. من ناحية أخرى، إذا نجحت الشركة ونمت بشكل كبير، قد يرى المستثمرون عوائد كبيرة تفوق بكثير الاستثمار الأولي.

[9] الاستحواذ في قطاع الشركات الناشئة يحدث عندما تقوم شركة أخرى، والتي قد تكون أكبر وأكثر استقرارًا، بشراء معظم أسهم الشركة الناشئة أو كلها، وبالتالي تحصل على السيطرة عليها. يمكن أن يكون الاستحواذ جزئيًا أو كليًا، ويمكن أن يشمل شراء الأصول، التقنيات، المنتجات، أو حتى الفريق الإداري والتقني.

[10] الاكتتاب العام الأولي (IPO) لشركة ناشئة هو حدث مالي كبير يُمكن الشركة من جمع رأس المال عن طريق بيع أسهمها للجمهور في سوق الأوراق المالية لأول مرة. هذا الإجراء يسمح للشركات بتوسيع قاعدة مستثمريها ويعطي المستثمرين الأوائل ومؤسسي الشركة الفرصة لبيع جزء من حصصهم وتحقيق السيولة، في حين يضع الشركة تحت مجهر الرقابة العامة والتزامات إفصاح مالية مستمرة.

[11] رعاية الشركات في سياق سياق الشركات الناشئة هي شكل من أشكال الدعم الذي تقدمه الشركات الكبرى للشركات الناشئة من خلال هذه الحاضنات والمسرعات. يمكن أن تشمل هذه الرعاية تقديم الموارد المالية والخبرات التقنية والإدارية والوصول إلى شبكات العملاء والأسواق بالإضافة إلى المساعدة في الجوانب القانونية والتسويق والمبيعات. الهدف من رعاية الشركات هو دعم نمو الشركات الناشئة وتسريع وتيرة تطورها، مما قد يؤدي أيضًا إلى تحقيق فوائد للشركات الراعية، مثل الحصول على حقوق أولية للاستثمار أو للتعاون في مشاريع مستقبلية.

[12] المنتج الأولي القابل للتطبيق الأدنى (Minimum Viable Product أو MVP) هو إستراتيجية تطوير تستخدم لبناء وإطلاق نسخة أولية من منتج جديد تحتوي على الكافي من الميزات لجذب العملاء الأوائل والتحقق من فكرة المنتج في السوق الحقيقية بأقل قدر من الجهد. الغرض من المنتج الأولي القابل للتطبيق الأدنى هو توفير رؤية سريعة حول ما إذا كانت الفكرة المقترحة للمنتج تلقى قبولًا لدى الجمهور المستهدف، مما يسمح للشركات بجمع أقصى قدر من التعلم عن العملاء باستخدام أقل كمية من الموارد. هذا يُمكِّن الشركات من البدء في عملية التعلم بسرعة وتحسين المنتج أو تعديله وفقًا للتغذية الراجعة من المستخدمين الفعليين قبل القيام باستثمارات كبيرة في التطوير.

[13] الفائدة المحمولة (Carried Interest) هي حصة من الأرباح التي يحصل عليها مديرو الصناديق الاستثمارية، مثل صناديق الأسهم الخاصة وصناديق رأس المال المُغَامِر وصناديق التحوط، كمكافأة عن الأداء الجيد للصندوق. هذه الحصة تُعطى إلى مديري الصناديق بالإضافة إلى رسوم إدارة الصندوق الأساسية. عادةً ما تكون نسبة الفائدة المحمولة حوالي 20% من الأرباح، ولكنها قد تختلف بناءً على الاتفاقيات المحددة بين المستثمرين ومديري الصناديق. الفكرة وراء الفائدة المحمولة هي تحفيز مديري الصناديق على تحقيق أداء مالي متميز، حيث أن جزء كبير من دخلهم يعتمد على نجاح استثمارات الصندوق.

[14] امتيازات النظرة الأولى للمستثمرين هي مجموعة من المزايا التي تُمنح للمستثمرين الذين لديهم علاقات قوية أو اتفاقات مُسبقة مع شركات النشر أو المؤسسات المالية. هذه الامتيازات تسمح لهم بالحصول على الفرصة الأولى لتقييم واستثمار رأس المال في المشاريع أو الشركات الناشئة قبل أن تُعرض على السوق الأوسع أو على مستثمرين آخرين.

[15] في قطاع الشركات الناشئة، الإحالات (Referrals) التي تقوم بها الحاضنات والمسرعات هي عملية توجيه الشركات الناشئة إلى موارد وخبراء ومستثمرين وشركاء إستراتيجيين أو عملاء محتملين يمكن أن يدعموهم في نموهم وتطورهم.

[16] الافتتاح التجريبي (Demo Day): هو حدث يُنظم عادةً في نهاية برنامج حاضنة أو مسرعة أعمال حيث تحصل الشركات الناشئة المشاركة على فرصة لعرض منتجاتها أو خدماتها أمام جمهور من المستثمرين والخبراء في الصناعة وأحيانًا الصحافة والعملاء المحتملين. يُعد هذا اليوم بمثابة ختام لبرنامج، حيث تُظهر الشركات الناشئة التقدم الذي أحرزته والمعالم التي حققتها خلال فترة البرنامج.

فعاليات العروض التقديمية (Pitch Events): هي مناسبات يحصل فيها رواد الأعمال على فرصة لتقديم أفكارهم أو شركاتهم الناشئة إلى مجموعة من المستثمرين المحتملين وأصحاب المصلحة الآخرين بغرض جذب الاستثمار والدعم. عادةً ما يكون لدى المشاركين وقت محدود لإقناع الحضور بقيمة مقترحاتهم، وقد يتبع ذلك جلسة أسئلة وأجوبة حيث يمكن للمستثمرين استكشاف الفرص بشكل أعمق.

[17] في الرأسمالية، هناك ميل عام لأرباح الشركات للانخفاض مع مرور الوقت. السبب وراء ذلك هو أن الشركات تستثمر أكثر فأكثر في الآلات والتكنولوجيا الحديثة (رأس المال الثابت) بدلًا من توظيف الناس. هذا الاستثمار يجعل الإنتاج أكثر كفاءة، لكن في الوقت نفسه، يقلل من أهمية العمل الإنساني في صنع السلع، وهو الشيء الذي يخلق الأرباح (فائض القيمة). عندما تأتمت الشركات عملياتها وتقلل من العمالة، ينتهي الأمر بالعمال إلى تلقي رواتب أقل والبعض قد يفقد وظائفهم. بالتالي، يكون لدى الناس قوة شرائية أقل، مما يعني أنهم لا يستطيعون شراء الكثير من السلع التي تنتجها هذه الشركات. هذا يؤدي إلى وجود كمية كبيرة من السلع التي لا يشتريها أحد، ونتيجة لذلك، قد تنخفض الأسعار. لمحاولة الحفاظ على الأرباح، قد تقوم الشركات بتقليل الأجور حتى أكثر، لكن هذا يؤدي فقط إلى زيادة المشكلة ويمكن أن يؤدي إلى تدهور الوضع الاقتصادي بشكل عام.

[18] رأس المال الوهمي -كما صاغة كارل ماركس- يصف نوع من القيمة الرأسمالية التي لا ترتكز مباشرة على الإنتاج المادي ولا تعكس قيمة السلع أو الخدمات المُنتَجة فعليًا. يشير هذا المفهوم إلى أن بعض الأصول المالية، مثل الأسهم والسندات، قد تُقيّم بأسعار تفوق بكثير القيمة الحقيقية للأصول الفيزيائية أو الإنتاجية التي تقف وراءها. يتكون رأس المال الوهمي من خلال العمليات المالية والمضاربات التي تحدث في الأسواق المالية. القيمة هنا هي انعكاس للتوقعات المستقبلية للأرباح أو الدخل، وليس القيمة التي تم إنشاؤها من خلال عملية العمل المثمر. بمعنى آخر، يتم تحديد قيمة هذه الأوراق المالية بناءً على الأرباح المتوقعة وليس بناءً على العمل الفعلي أو السلع المنتجة التي تُعتبر المصدر الحقيقي للقيمة. تضخم قيمة هذه الأصول المالية يمكن أن يؤدي إلى تشوهات اقتصادية، مثل الفقاعات المالية، التي عندما تنفجر، تكشف عن الفجوة بين القيمة الواقعية والقيمة الوهمية، مما يؤدي إلى أزمات مالية واقتصادية. يؤكد هذا التحليل على الطبيعة المضطربة للرأسمالية وميلها نحو التقلبات والأزمات.

[19] اقتصاد الأعمال المرنة يشير إلى نظام اقتصادي حيث تعتمد الشركات على مرونة عالية في إستراتيجياتها التشغيلية وإدارة العمالة لتعزيز قدرتها على التكيف مع التغيرات السريعة في السوق. يتميز هذا الاقتصاد بعدة خصائص مثل استخدام العقود المؤقتة أو المرنة، العمل عن بُعد، وتطوير بيئات العمل التي تتسم بالتكيّف السريع مع الاحتياجات المتغيرة. الهدف من ذلك هو تحقيق مستوى أعلى من الكفاءة التشغيلية والقدرة على الصمود في وجه التحديات الاقتصادية.”